بينوكيو.. شخصية مركبة من زوربا وفرانكشتاين والسندباد

ثمّة نبوغ في اقتناص النحو الفني العجيب الذي خلقت فيه ألف ليلة وليلة والنصوص الكلاسيكية الكبرى التي لا يشفى منها الزمنُ، داخل مغامرات بينوكيو.
السبت 2018/04/21
شخصية لا يشفى منها الزمن

قدّمت شركة والت ديزني إلى العالم شخصية بينوكيو في أفلام موجّهة لليافعين، لكن صورة الدمية الشهيرة في نسختها المصوّرة لم تخل من لمسات المنتجين التي تقتضيها المعايير الضرورية لنيل رضا الجمهور العريض، على نحو قد تتحوّل معه إلى شيء آخر تماما يختلف عن قصة كارلو كولودي المقتبسة عنها.

حكاية الحكاية

 

إن كلمة بينوكيو دون شك من الكلمات القليلة التي يمكن لأي شخص في العالم أن يفهم ما تشير إليه دون الحاجة إلى رقنها على محرك غوغل. إذ لم تترك شركة والت ديزني، بإخراجها لفيلم بهذا العنوان سنة 1940، مجالا تركن فيه الدمية الخشبية إلى الظل. وتحولها من عالم الأدب إلى عالم الصورة ولو بتحريفات مختلفة

حديثا ترجم كتاب كارلو كولودي الأصلي يوسف وقاص إلى العربية وصدر عن منشورات المتوسط بميلانو بعنوان “بينوكيو قصة دمية متحركة”. في الخمسينات من عمره، كان كارلو كولودي مؤلف قصة بينوكيو الأصلي، يقيم خلال العطل في بيت فاخر لأخيه أمام القصر الشهير لعائلة مديتشي التي حكمت فلورنسا في عصر النهضة. وحينئذ، شرع الكاتب المسرحي والصحافي المميز في الكتابة لأول مرة من أجل الأطفال.

ولكن البداية كانت مع اقتباس لأشهر القصص العجائبية الفرنسية المكتوبة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، بطلب من الأخوين بادجي المختصيْن في نشر الكتب المدرسية، وذلك ضمن مشروع يستجيب للسياق السياسي في إيطاليا آنذاك، وهو تقديم بيداغوجيا جديدة لليافعين تمكّنهم من بناء مستقبل بلدهم.

بُعيد سنوات قليلة تفرغ كارلو للكتابة وأنشأ بينوكيو على نحو مختلف ممّا عرفته قصة اليافعين قبل ذلك وبخاتمة صادمة تماما. إذ ينتهي بينوكيو مشنوقا في شجرة. ويلفظ أنفاسه مع انتهاء الحكاية التي لم تكن سوى تراجيديا أصيلة تُقدّم لأول مرة بتلك الطريقة للقرّاء اليافعين خصوصا.

المجلة التي كانت تنشر فيها فصول الحكاية تباعا تدخلت بتأثر من حاجة القراء إلى إحياء بينوكيو وطلبت من كولودي أن يتكفل بالمهمة. ذلك ما جعل القصة تمتد إلى فصول أخرى كثيرة ومتعاقبة، ولكنها منحت نصفا ثانيا للكتاب هو أقرب للكوميديا السوداء.

المجلة بطريقة ما كانت سلفا لوالت ديزني، لكنها منحت دون إرادة منها لقصة بينوكيو تنوعا عجيبا وثراء عظيما لن يتاح لأطفال السينما المتحركة أن يكتشفوه بقراءتهم لصور ديزني قُبيل الحرب العالمية الثانية وما بعدها.

أنف السندباد الخشبي

أنف بينوكيو الذي يطول في كل مرة يكذبُ فيها، كان تفصيلا دقيقا في كتاب كولودي ّ إلى مركز العمل في نسخته السينمائية. ولكن ملامح الدمية النفسية تغيرت تماما، إذ كادت المؤسسة الأميركية تتوقف عن إنتاج الفيلم أثناء الاشتغال عليه لأن بينوكيو كان في الحكاية الإيطالية صعلوكا متمرّدا على معايير المجتمع رافضا للدراسة والعمل محبا للهو والمرح والتشرد.

يقول مترجم الكتاب يوسف وقاص في مقدمته للترجمة “أما بطل كولودي، فهو أكبر بعدة سنوات مليء بالحيوية وبغريزة التمرد والمجازفة، التي لن يتم ترويضها حتى نهاية القصة”.

تكشف الدمية عن ذلك بكل وضوح في مواضع كثيرة من الحكاية. وتصرّح منذ بدايتها أن المهنة الوحيدة الذي تليق بها هي “مهنة الأكل، الشرب، النوم، اللهو، والتسكع من الصباح إلى المساء” وأن هواياته تختلف عن هوايات الأطفال الآخرين. “أستمتع أكثر في الركض خلف الفراشات، وتسلق الأشجار والتقاط صغار العصافير من أعشاشها”. وذلك ما يحذره منه ضميره المستتر في هيئة جدجد ناطق “كل أولئك الذين يمارسون هذه المهنة، ينتهون دائما إمّا في الملجأ وإمّا في السجن”.

القصة الأصلية لأشهر دمية في التاريخ البشري
القصة الأصلية لأشهر دمية في التاريخ البشري

لكن بينوكيو ينتهي في كل فصل من فصول الحكاية إلى أكثر من هذا. إنه يقف دائما على خط التماس مع الموت بسبب اندفاعه اللانهائي وشغفه باكتشاف ما هو جديد مغاير للنسق العادي.

الشخصيات الأخرى التي تواجهه في مغامراته تسمّي ذلك على نحو أخلاقي. فتدينه وترى فيه خروجا عمّا هو منشود ومطلوب في المجتمع إن بينوكيو كولودي يملك روائح من زوربا، من حيث اندفاعه والتصاقه بجذوة الحياة المتقدة وتظهر في ملامحه قسمات لفرانكشتاين، من حيث طبيعته الغريبة الهجينة والتي تقضي باختلافه جوهرا وسلوكا. أنفه الذي من خشب يطول، لا يصلح فقط لكشف الكذب وإنما لتمسك به يد الدركي وهو يفر من صانعه/ أبيه جيبيتو منذ اللحظة الأولى التي أتم فيها نحت جسده.

مع ذلك، فإن بينوكيو يبدو لقارئه أشد شبها بالسندباد من حيث بنية الحكاية التي يحيا فيها، مغامرا من مكان إلى آخر ومن وضع عجيب إلى وضع عجيب آخر، واقعا في المطبّات الغريبة ومهددا بالموت ثم ناجيا بطريقة أكثر فجئية وغرائبية. “

كانت الصدمة قوية لدرجة أنه عندما سقط على الأرض، تخلخلت أضلاعه ومفاصله كلها ولكنه عزى نفسه قائلا “لقد نجوت بأعجوبة هذه المرة أيضا”. فمن براثن محرك الدمى الذي يوشك أن يوقع به في النار كي يستوي شواء خروفه إلى مكر الثعلب والقط اللذين يشنقانه في شجرة إلى بيت الحورية الزرقاء التي تسد خواء عالمه من الأمومة إلى بلاد “اللهو والمرح” حيث الأيام كلها عطلة إلى أن يتحول حمارا ثم كلب حراسة وغيره.

ثمّة نبوغ في اقتناص النحو الفني العجيب الذي خلقت فيه ألف ليلة وليلة والنصوص الكلاسيكية الكبرى التي لا يشفى منها الزمنُ، داخل مغامرات بينوكيو. (عنوان الكتاب في صيغته الأولى التراجيدية).

تنضاف إلى ذلك ألوان وأبعادٌ أخرى مستلهمة من سياق المؤلف الحضاري والتاريخي. لقد تمكّن صاحب الكتاب وبشكل ملفت للنظر والانتباه من خلق نص أدبي عظيم يناطح التقادم وينجح في أن يكون مزدوجا: حكاية مغامرات مسلية للأطفال واليافعين وأمثولة عن المجتمع تومئ للقارئ الآخر وتقدح في ذهنه الأسئلة والأفكار دون أن تحرمه من المتعة والتشويق.

14