بين أدونيس وداعش

الثلاثاء 2015/02/10

كان لابدّ أن يتكلم أدونيس في معرض القاهرة للكتاب ليقول إننا أمة تشكو من حالة نفاق مستمرة، وخصوصا في علاقتها بالدين، وأن حالة التطرف التي نعاني منها هي امتداد لتاريخ طويل من العنف، وأن المثقف العربي يضطرّ دائما إلى إعلان عكس ما يضمر، وهو ما يعني أننا لن نخرج من النفق طالما أن صوت العقل ملغى.

بعد نشر فيديو إعدام الطيار الأردني الشهيد معاذ الكساسبة حرقا، خرج من يقول إن هذه الجريمة غريبة على الإسلام والمسلمين، ولكن تنظيم داعش سبق الجميع بأن أصدر دراسة شاملة على موقعه عدّد فيها عمليات حرق تمت في عهد الخلفاء الراشدين، وقام بتوثيق المراجع، كما نشر دراسة أخرى عن القصاص ذبحا في تاريخ الدولة الإسلامية، وبحثا متكاملا عن ذبح خالد بن الوليد لمالك بن نويرة، ولـ75 ألف مقاتل فارسي تم أسرهم في معركة واحدة وهي معركة أليس وقد ذُبحوا في يوم واحد حتى احمرّ ماء النهر من دم الضحايا.

والغريب أن داعش يعتمد المراجع التاريخية في التدليل على هدفه من الذبح وقطع الرؤوس والحرق والرمي من عل، وهو الإرهاب وبث الرعب في نفوس الناس، ويؤكد أن هذه الوسائل اعتمدت قبل 14 قرنا وأثبتت نجاعتها، في حين يكتفي الطرف المقابل بالقول إن ما تقوم به داعش خارج عن الدين، ويصمت المفكرون والباحثون عن الإدلاء بمواقفهم فلا يعيدون قراءة التاريخ، ولا يبحثون عن حقائق ما تورده المراجع وكتب التراث المليئة بالدم، وحتى إن شكّكوا في الأمر فإنهم يكتفون بأن يكون ذلك في إطار ضيّق بما يمنع أصواتهم من الوصول إلى عامة الناس.

في الأثناء خرج الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ليغرّد خارج السرب بالدعوة إلى إعادة النظر في النصوص المقدسة والتاريخ والتراث، وليقول إنه ليس معقولا أن يعمل مليار ونصف مليار مسلم على إعلان سبع مليارات من غير المسلمين، وهي دعوة قد تصب بشكل غير مباشر في ذات المنحى الذي أشار إليه أدونيس بالقول إنه “لا يمكن التجديد والانتقال من مرحلة إلى أخرى إلا بإحداث قطائع معرفية، ولا أعتقد أن هناك إمكانا لتجديد الدين، لأن هذا يعني أن نأتي بدين جديد، لكننا يمكن أن نغير تأويلنا للدين، وأي نص إذا مرّ في عقل صغير فإنه يصغر، وإذا مر في عقل كبير يكبر” مستطردا أنه لا يجد بين مليار ونصف المليار نسمة مفكرا واحدا يمكن أن يضعه إلى جانب مفكري الغرب الكبار، وإنما هناك فقهاء ليست لديهم ابتكارات بل يقلدون القدماء.

هكذا نجد أنفسنا أمام معضلة حقيقية، فنحن أمة لا تفكّر وإنما تقبل بالمسلّمات، وتكتفي بالسعي الى بناء مستقبلها على أعمدة ماضيها المحفوف بالشك دون أن تحاول أن تفكّ المتفجرات التي يتحزّم بها تاريخها، وكلما تقدمت خطوة انفجرت بين أقدامها حبال الديناميت، في حين يبقى العقل الخامل خاملا، والعقل المجتهد عاجزا عن إيضاح موقفه.

24