بين أمنية قط وحكمة ثعلب

في حال استمرار هذا الفايروس معربدا في مدن العالم، فإنه سوف يستوي في الفاقة والعوز، السارق مع الضحية، الحاكم الظالم مع الحاكم العادل، الداعي إلى الفضيلة مع المحرض على الرذيلة.
الثلاثاء 2020/04/14
الولاء لمن يضمن كفاف يومنا

قال قط يسترضي حبيبته “اهدئي حبي.. تنتهي هذه الأيام العصيبة، وآخذك في نزهة رائقة إلى سوق السمك”. كما وعد لص أصدقاءه بسهرة ماجنة، فور عودة الاكتظاظ وانقضاء أيام الكساد. الأشرار ـ قبل الأخيار ـ يتضرعون كلهم إلى السماء، بأن تنقضي هذه الجائحة على خير، ليعودوا إلى ممارسة نشاطاتهم. حتى المرتشون والجلاوزة والطغاة والفاسدون، فإنهم غير متحمسين كثيرا، للاستثمار في سوق الخوف هذه، غير مضمونة الأرباح، ذلك أن شأنهم سيصبح كشأن تاجر حرب يغامر ببيع أسلحة نووية تفتك بالبائع والشاري، وكذلك الراعي والممول.

هكذا، وفي زحمة هذه الجائحة، تصح مقولة “قل لي ماذا تتمنى بعد انقشاع كورونا، أقل لك من أنت”، ولكن هيهات، فما بعد كورونا ليس كما قبلها، إذ قد تستمر أسواق السمك مقفلة في وجه القط المسكين إلى أن يصبح نباتيا وينسى أنه كان لاحما فتتخلى عنه حبيبته بسبب نكوثه بعهده.

اللص الحالم بدوره، قد يثوب إلى رشده ويتوب إلى ربه بعد أن تستمر الشوارع فارغة كجيوب الذين كانوا قد ملؤوها بالأمس صخبا وضجة.

باختصار شديد، وفي حال استمرار هذا الفايروس معربدا في مدن العالم، فإنه سوف يستوي في الفاقة والعوز، السارق مع الضحية، الحاكم الظالم مع الحاكم العادل، الداعي إلى الفضيلة مع المحرض على الرذيلة.. ويتوجه الطيبون والأوغاد، على حد سواء،  بالصلاة والدعاء بالانفراج، دون سؤال عمن هو الأقرب والأكثر حظوة عند الله.

ساعتها، ستتغير الكثير من المفاهيم والمقاربات المتعلقة بما يربط المخلوق بخالقه، والمحكوم بحاكمه، وكذلك الضحية بقاتلها.. ويسبح الجميع في فلك من التوجس والتوتر والتشكيك في ما كان بالأمس قناعة راسخة.

المقياس الوحيد الذي سيرسخ في الأذهان حول تقييم الطالح من الصالح عند الناس، هو مدى ما يمكن أن يستفيد منه الواحد من الثاني، حتى وإن كان الأخير في معايير الأمس القريب، من أسقط خلق الله.

أمام هول الفاجعة، بدأ المتضررون يقبلون تدريجيا، بالمساعدات المشروطة، كاستلام المؤونة أمام كاميرات التصوير، أو حتى “السياحة الحزبية” تحت شعار “الولاء لمن يضمن كفاف يومنا”.

ستصبح الرشوة مشروعة بل واجبا مثل الصدقة والزكاة، وتحت ذرائع مختلفة، أهمها تبادل المصالح من أجل البقاء، وستتغير مقاييس الجمال كأن تُتوج ابنة بائع أكياس الطحين أو عبوات التعقيم على عرش الجمال الأنثوي، وكذلك سيثني الناس على أصوات الباعة المتجولين مع حميرهم.

سنصدق أي كذبة، شرط ألا تقلق راحتنا، ولا تهدد أمننا، وفق الحكمة السومرية القديمة، والتي تقول “الثعلب الذي يبول في البحر، يقول: إنَّ البحرَ من بولي”. أما ما لا نستطيع تخمينه، فهو أن الأجيال القادمة سوف تعتبر حياتنا هذه، ضربا من الميثيولوجيا التي تؤخذ منها العبرة، ولكن دون تصديق.

24