بين أميركا الجديدة والسعودية الجديدة

الجمعة 2014/03/28

ليست هناك أميركا جديدة فقط، أميركا باراك أوباما. هناك أيضا المملكة العربية السعودية الجديدة. عندما يزور باراك أوباما الرياض ليقابل الملك عبدالله بن بن عبدالعزيز، سيكون اللقاء بين أميركا الجديدة والسعودية الجديدة التي أقدمت خلال الأشهر القليلة الماضية على سلسلة من الخطوات يستدلّ منها أنها طلقّت إلى حد كبير سياسات الماضي التي كانت تتّسم بالتحرّك بحياء وخفر مع الملفّات المطروحة في المنطقة.. وما أكثرها.

ليس سرّا أن ما فرض على السعودية التخلي عن سياسات كانت تتبعها في الماضي هو أميركا- باراك أوباما التي خرجت بوضوح عن إطار معيّن يتمثّل في المحافظة على صداقتها التقليدية بالمملكة من دون أن يعني ذلك أن العلاقات بين البلدين لم تمرّ في بعض الأحيان بأزمات.

يكمن الفارق بين الأزمة الراهنة التي تمرّ بها العلاقات بين الرياض وواشنطن وأزمات الماضي، في أن الأزمة الحالية استمرّت طويلا وما زالت تتفاعل. إنها أزمة مرتبطة بشخص أوباما الذي لا تزال أمامه سنتان ونصف سنة في البيت الأبيض.

هناك بكلّ بساطة إدارة أميركية وضعت نصب عينيها التوصّل إلى اتفاق مع إيران في شأن ملفّها النووي من دون أن تأخذ في الاعتبار السلوك الإيراني على الصعيد الإقليمي. هذا السلوك الإيراني هو الذي يهمّ العرب عموما، والمملكة العربية السعودية خصوصا، أكثر بكثير من الملف النووي الذي لا يمكن الاعتراض عليه من حيث المبدأ.

سيحاول أوباما إقناع الملك عبدالله بأن الاتفاق النووي بين مجموعة 5+1 وهو عمليا اتفاق أميركي- إيراني يخدم دول المنطقة على رأسها السعودية. هذا صحيح إلى حدّ كبير، خصوصا في حال ساهم الاتفاق في إبعاد شبح سباق التسلح في الشرق الأوسط، خصوصا في مجال امتلاك أسلحة الدمار الشامل. كذلك، سيؤكّد الرئيس الأميركي لخادم الحرمين الشريفين أن أميركا ملتزمة بأمن دول الخليج وأنها ستظل تعتمد، مع حلفائها، على نفط المنطقة في السنوات الثلاثين المقبلة وذلك بغض النظر عن زيادة إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة نفسها.

سيسمع العاهل السعودي، على الأرجح، كلاما جميلا عن مدى اهتمام الولايات المتحدة بالعلاقات الخاصة التي تربطها بالسعودية منذ أيام الملك عبدالعزيز. لكنّ ذلك لن يحول دون طرح الجانب السعودي سلسلة من الأسئلة بشأن السياسة الأميركية عموما بدءا من سوريا وانتهاء باليمن. ما الموقف الأميركي من الأزمة السورية مثلا؟ لماذا هذا الإصرار الأميركي على السماح لإيران بالذهاب بعيدا في التدخل في الشؤون السورية بما سيؤدي عاجلا أم آجلا إلى تفتيت هذا البلد العربي، وزيادة حدّة الانقسامات المذهبية التي أججها وضع اليد الإيرانية على جزء من العراق، بما في ذلك بغداد؟

كيف تسمح الولايات المتحدة لروسيا بتسليح النظام السوري، بكثافة، من دون أن تنبس ببنت شفة، فيما تستخدم هذه الأسلحة في تدمير المدن والبلدات السورية والقضاء على الشعب السوري؟

هناك عشرات الأسئلة الأخرى التي يمكن طرحها على أوباما. في مقدّم هذه الأسئلة ما الذي حلّ بـ”خطوطه الحمر” التي وضعها للنظام السوري الذي استخدم السلاح الكيميائي لقتل السوريين؟

هل ساهمت سياسة التعاون مع روسيا في إيجاد مخرج من الأزمة السورية في وقف آلة القتل التي تموّلها إيران، التي ترسل مقاتلين لبنانيين وعراقيين لقتل السوريين من منطلق مذهبي بحت؟ هل ساهم هذا التعاون في منع روسيا من تقسيم أوكرانيا وضمّ جزء منها؟

لن تحتاج السعودية إلى طرح أسئلة عن الدور الإيراني في اليمن حيث تنشأ، بواسطة الحوثيين، دولة موالية كلّيا للجمهورية الإسلامية في إيران على الحدود السعودية؟

ماذا عن البحرين؟

وماذا عن العراق؟ وماذا عن لبنان؟

ما تمرّ به العلاقات الأميركية- السعودية لا سابق له. لقد فرضت السياسة الأميركية على المملكة تحدّيات قرّرت التصدي لها. على رأس هذه التحديات التحدّي المصري. لو تُركت مصر للإخوان المسلمين الذي حظوا بتأييد أميركي، لصارت في خبر كان. دعمت السعودية مصر في وقت تردّدت إدارة أوباما في تأييد ثورة شعبية عارمة أرادت وقف الانهيار المصري الذي كان الإخوان المسلمون يسيرون في اتجاهه ويسعون إليه بخطى ثابتة.

تسمّي السعودية الجديدة الأشياء بأسمائها. تصف تنظيمات إسلامية متطرفة، بينها تنظيم الإخوان، بأنها “إرهابية”. السعودية الجديدة لا تسكت عندما يهاجمها شخص مثل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي. إنها تعرف جيّدا أن المالكي صوت إيراني لا أكثر. لا تسكت السعودية أيضا عندما تتحامل روسيا عليها، من دون أن يعني ذلك أنها لم ترتكب في الماضي أخطاء من نوع دعم حركات إسلامية، من بينها الإخوان، ما لبثت أن انقلبت عليها.

من الصعب على إدارة مثل إدارة أوباما التفاهم مع السعودية. إنها إدارة مختلفة عن كلّ الإدارات السابقة، باستثناء إدارة جيمي كارتر ربّما.

يتوقّع أن تكون المشكلة الأكبر التي ستواجه الحوار السعودي- الأميركي عدم قدرة أوباما على المقاربة الشاملة لمشاكل الشرق الأوسط. في النهاية لا يمكن اختزال هذه المشاكل بالملفّ النووي الإيراني، ولا يمكن في الوقت نفسه إقناع العرب بجدّية واشنطن لمجرّد أنّها مهتمة بإيجاد تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

أخرجت إدارة أوباما السعودية من ثيابها لا أكثر ولا أقلّ. تجد المملكة نفسها مضطرة لاعتماد سياسات جديدة تبدو مفروضة عليها فرضا. عليها التعاطي مع إدارة أميركية تبدو مقتنعة بأنّ في استطاعتها تقاسم النفوذ في الشرق الأوسط مع إيران. إنها بالفعل أميركا الجديدة التي لا تريد الاعتراف لا بالخطر الإيراني المتمثل في استخدام الغرائز المذهبية لممارسة سياسة في أساسها فكرة الهيمنة، ولا في ما يمثّله الإخوان المسلمون الذين يوفّرون الحاضنة المثالية للحركات المتطرفة من المحيط إلى الخليج. هل في الإمكان، بمناسبة زيارة أوباما للرياض، إيجاد قواسم مشتركة بين أميركا الجديدة والسعودية الجديدة، التي كشّرت على غير عادتها، عن أنيابها؟


إعلامي لبناني

8