بين الأستانة وجنيف: حل سياسي للصراع السوري

الأربعاء 2017/01/04

فجأة بات السوريون في مواجهة توافق، روسي – تركي، على وقف القتال وإنهاء العمليات الحربية، بين النظام والمعارضة، في كل الأراضي السورية، على أن يتم إعداد مستلزماته الميدانية في مؤتمر الأستانة، أواخر هذا الشهر الجاري، في حين يتم التوافق على بنوده السياسية في شهر فبراير القـادم في اجتماعات خاصة تعقد في جنيف.

وبينما يحضر المؤتمر الأول ممثلون عن فصائل المعارضة العسكرية، بتغطية من المعارضة السياسية (الائتلاف) والهيئة العليا للتفاوض، تحضر اجتماعات جنيف الهيئة العليا للتفاوض كممثلة عن المعارضة، بإطاراتها السياسية والعسكرية، وذلك في مواجهة وفد النظام.

وكان إعلان موسكو الصادر عن اجتماع وزراء خارجية ودفاع روسيا وإيران وتركيا، في الشهر الماضي، وضع الأساس لهذا التوافق، ما يؤكد أن الأطراف السورية المعنية مباشرة بالصراع، أي النظام والمعارضة، لم تعد تملك من أمرها شيئا، وأن الأطراف الخارجية هي التي أضحت تملك تقرير استمرار الحرب، أو التحول نحو التسوية، وربما تحديد ماهية سوريا المقبلة؛ هذا أولا.

ثانيا، يلاحظ أن هذا الاتفاق تم بين روسيا وتركيا، كأن إيران باتت خارج القوس أو أنها معترضة عليه، أو تمت إزاحتها منه، وهذا تطور غاية في الأهمية في الموقف الروسي، وفي مكانة إيران في الصراع السوري.

ثالثا، الملاحظ بهذا الاتفاق غياب النظام العربي، على المستوى الفردي والجمعي، ويمكن إحالة ذلك ليس فقط إلى اختلاف وتباين مواقف الأنظمة العربية من الصراع السوري، وإنما هو يرجع أيضا إلى تدني فاعلية النظام العربي، وعدم وجود دولة عربية قادرة على فرض ذاتها على المعادلات الإقليمية.

رابعا، يأتي هذا الاتفاق في وضع لا يبدو فيه أي من الطرفين المعنيين، النظام أو المعارضة، قادرا على حسم الأمور لصالحه، بل يبدو أن كل منهما في غاية الإرهاق والاستنزاف.

خامسا، يظهر هذا الاتفاق غياب الولايات المتحدة الأميركية، لكن هذه الصورة غير صحيحة تماما، والأرجح أن الولايات المتحدة باتت تميل إلى التخلي عن استراتيجيتها السابقة، بخصوص الحفاظ على ديمومة الصراع السوري، والاستثمار في استنزاف مختلف الأطراف المنخرطة فيه، بوضعها في مواجهة بعضها، لصالح استراتيجية أخرى تنهي الصراع، بعد أن استنفذت أغراضه، وأن دورها الآن الاستثمار في التسوية وقد تصادف ذلك مع التغير في الإدارة الأميركية من باراك أوباما إلى دونالد ترامب.

بحسب التسريبات فإن التوافقات التي تم التوصل إليها تتمحور حول خمسة بنود، الأول والثاني يفيدان بضمان التزام المعارضة واشتراكها في التوصل إلى حل سياسي بعد شهر من وقف إطلاق النار، فيما ينص البند الثالث على أن الطرفين المتفاوضين (النظام والمعارضة) سيعملان على التوصل إلى حل للقضية السورية، وفي ما يخص البند الرابع فهو يتعلق برعاية عملية التفاوض من قبل الأطراف الضامنة للاتفاق، متمثلة بتركيا وروسيا.

أما البند الخامس فتضمَّن كيفية دخول الاتفاق حيز التنفيذ، دون أي تفاصيل أخرى عن آليات تطبيق الاتفاق. علما أن هذه النقاط التوافقية تستند إلى بيان جنيف 1 الذي صدر عام 2012 وقرار مجلس الأمن الدولي 2254، وتحت مظلة الأمم المتحدة ورعايتها. أي أن ذلك يعني وجود مرحلة انتقالية، تقوم فيها هيئة انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية بإدارة البلد، بما في ذلك إخلائه من الميليشيات الأجنبية، كما يعني ذلك صياغة دستور جديد والتحضير لانتخابات في غضون 18 شهرا.

وفي الواقع فقد كان ينبغي توقع هكذا محطة، في أي وقت، بغض النظر عن نجاح هذا الاتفاق من عدمه، إذ لا توجد ثورات ولا حروب ولا صراعات سياسية إلى الأبد، فكل الصراعات، مهما كانت ماهيتها، أو شرعيتها، أو ضرورتها، لا بد لها أن تصل إلى نقطة تتوقف عندها، سواء بانتصار طرف على آخر، أو نتيجة قناعة أطرافها أو أحد أطرافها بالكلفة الباهظة لاستمرار الصراع، أو بسبب التوصل بين الطرفين المعنيين إلى نوع من مساومة أو تسوية جزئية، يحقق فيها كل طرف من أطرافها البعض من المكاسب، وطبعا ثمة وضع آخر مختلف يتعلق بقيام أطراف خارجية بفرض تسوية على الأطراف المتصارعة. وفي العموم فهذه هي مآلات الصراعات والحروب التي عرفتها تجارب البشرية عبر التاريخ، ولا بد أن هذا يشمل حالة الصراع السوري، الدامي والمدمر والطويل، والذي تمخض عن كارثة دولتية ومجتمعية للسوريين وربما لعموم منطقة المشرق العربي.

بيد أن هذا وذاك ينقلنا أيضا، من مجرد الحديث عن وقف القتال والقصف والتدمير والتهجير، الذي لا بد منه، إلى الحديث عن مستلزمات حل سياسي انتقالي، قد يمهد لحل دائم للصراع السوري، بما يستجيب لمطالب كل السوريين ويبدّد مخاوفهم، ويعيد الثقة إلى قلوبهم في مستقبلهم المشترك كشعب، مع تنوعهم واختلافاتهم.

المعنى أن هذا يتطلب، أيضا، الإفراج عن كل المعتقلين، ورفع الأطواق الأمنية عن كل المناطق المحاصرة، وإخراج الجماعات أو الميليشيات المسلحة الأجنبية من البلد، بغض النظر عن أي طرف تتبعه، بضمانة قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي، يستتبعه تواجد قوات دولية.

هذا هو الشرط اللازم لأي بداية، وتأتي بعد ذلك الخطوة التي لا بد منها للحل النهائي، وهي صياغة دستور جديد يضمن حقوق المواطنة، وأهمها الحرية والمساواة بين جميع المواطنين، في دولة مؤسسات وقانون، والاحتكام للقواعد الديمقراطية في تداول السلطة، لأن هذا هو الحل الأمثل والمتوازن، إذ أن أي حل آخر، لا يصبّ في هذه المسارات، ولو بالتدريج، سيعني استمرار الواقع الراهن، أو إعادة إنتاج المعادلات التي أدت إلى الانفجار السوري، مع علمنا أن إعادة إنتاج النظام القديم أصبحت غير واقعية، بعد أن فقد شرعيته الداخلية بقتل شعبه، وبعد أن فرط بسيادته بفتحه البلد على التدخلات الأجنبية، واعتماده على إيران وروسيا من أجل ضمان بقائه. عموما ستبقى مصداقية أي حل سياسي ترتبط بوقف القصف والتشريد، كما بمدى التزام إيران بهذا الحل، ومدى دعم الولايات المتحدة له.

كاتب سياسي فلسطيني

9