بين الأمس والغد..

الأربعاء 2017/05/24

أن نغرق في أحداث الأمس يعني أن نسمح لخيوط الكآبة أن تنسج شرانقها حول أرواحنا وتمنعنا بأن نحيا كما يجب.. وإذ نوغل في القلق بشأن الغد فإن ذلك يعني أن نسمح للتوجّس أن يكفـّن حاضرنا وأن يحول دون أن نخطو خطواتنا صوب ما نريد.. فالحاضر.. اليوم.. الآن.. هو الأهم.

تقول الأم تيريزا “الأمس قد مضى.. والغد لمّا يأتِ بعد.. ونحن لا نملك سوى اليوم.. فلنبدأ”.. لأن اليوم هو اللبنة الأولى التي نبني بها الغد.. وبلا محاولات يومية للبدء لا يمكن للغد أن يأتي كما نريد له أن يكون.. وكل لحظة هي قيمة عليا جديرة بأن تكون أحلى لحظة.

بيد أن مفهوم أن نحيا اللحظة كما يجب لها أن تعاش لا يعني أن نحياها بسطحية ولا مبالاة غير آبهين بتاريخ أو مستقبل.. ولا يعني ألا نمنح قيمة لتجارب الماضي وللطموح والمنجز.. بل على العكس من ذلك تماما.. لأننا إذ نحياها ونستمتع بها ونتعامل معها على أنها اللحظة الأولى دائما للبدء بما هو أجدى وأحلى وأهم إنما يمنحنا ذلك القدرة أكثر فأكثر على استيعاب كل الإخفاقات والمثبطات التي يضمرها الآتي دائما بمفاجئاته السارة والمفجعة على حد سواء.

وأن نحيا اللحظة الحاضرة كما يجب دون الغرق في الماضي أو إلغائه ودون القلق بشأن المستقبل أو عدم التفكير فيه.. إنما هي معادلة صعبة دون أدنى شك.. لكننا نستطيع ببساطة أن نمتلك ناصيتها ما إن نفكر بهذه الفكرة ونحاول إتقانها.. لأن أهم ما نملكه هو اللحظة.. هي أغلى من كل ما يمكننا أن نخسره.. بها نستطيع أن نمسك بكل الخيوط التي تربط الماضي بالآتي.. فهي المفصل الأهم.

يقول أوسكار وايلد “البشر يأتون إلى العالم ويرحلون عنه.. وندرة منهم فقط هم الذين يعيشون بالفعل”.. فهل يمكننا أن نتعلم من أوسكار وايلد هذه الحكمة ونحيا حياتنا كما يجب؟.. وهل نستطيع؟

من المهم جدا أن نعرف أننا نستطيع كلما تقدم بنا السن يمكننا أن نعيد تكريس روتين جديد في حياتنا بمحاولة تعلم أسلوب حياة جديد.. إن كان ذلك صحيا أو بدنيا أو فكريا أو اجتماعيا أو.. أو.. إلى آخره.. فنحن نستطيع تغيير حياتنا بشكل كامل أحيانا بإقحام عادات غذائية جديدة مثلا وتمارين بدنية وفكرية جديدة.. أو بتعلم مهارات مختلفة أو حضور أماكن لم نزرها من قبل أو المشاركة بنشاطات اجتماعية أو ثقافية لم نكن نفكر أن نشارك فيها.. نستطيع مثلا كسر روتين اليوم القاتل بأن نمشي في شارع لم نمر به من قبل وأن نتبضع من محلات لم نعتدها.. أو أن نسعى إلى تنظيم منهاج لاكتشاف العالم حولنا مهما كان صغيرا محدودا.. كل ذلك يجدد خلايانا وينعش الذاكرة الحاضرة وينعش الحواس دون عناء.. وله أيضا أن يجعل حياتنا أكثر بهجة دون أن ندري.. وله أيضا أن يعلمنا كيف نحيا اللحظة.. فنرفد الحاضر بالتجارب الجديدة التي تعزز ما اعتدناه وما جبلنا على العيش ضمن حدوده.

وأخيرا يقول لويس لامور “بعقلية الأمس.. لا يمكن لسفينة أن تبحر”.. فلماذا لا نحاول أن نجمّل حاضرنا برشة عطر جديدة ولمسة جديدة لحب الحياة؟

صباحكم حاضر مشرق..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

21