بين الإرهاب والفوضى: المصريون غاضبون يائسون

الجمعة 2014/04/18
حالة من الفوضى يعيشها المصريون يوميا

القاهرة – يتوق المواطن المصري إلى عودة الاستقرار والأمن والهدوء بعد أن أصبحت حياته مأساة متواصلة جراء اجتياح الفوضى كل مناحيها، فالبلطجة لا تهدده في الشارع فحسب بل في وسائل المواصلات وأماكن العمل والأسواق وأروقة المؤسسات والهيئات والمصالح الحكومية الخدمية، في ظل غياب تام لقوة القانون الرادعة.

لم يعد هناك موظف مصري يبالي أو يأبه بالعقاب إن قصّر في أداء عمله أو ارتكب خطأ، ولا بائع يخشى الرقابة إن زاد في أسعار السلع والمواد الغذائية، ولا بائع متجول يرتعب من مرور شرطة المرافق، بل لا تجرؤ هذه الشرطة على زحزحته من المكان الذي يستولي عليه مهما كان موقعه، بل إن هناك من يضع الحواجز والأعمدة لحجز أماكن لسيارات بيع المخبوزات والحلوى أو يفرض السيطرة مثل سيارات السيرفيس وسيارات الأجرة والملاكي التي تسد الشوارع، كل شيء مباح بالقوة التي لم تعد تجد رادعا، وقد حط اليأس والإحباط والكآبة والغضب على نفوس المصريين جراء ذلك، وجراء الارتفاع المتواصل لأسعار السلع الغذائية والخضراوات والفواكه وفواتير الغاز والكهرباء والمياه، ودوامة الإرهاب التي تستنزف روحي الوطن والمواطن وجسديهما.

بعض المصريين يلقون باللائمة على ما ترتكبه جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية من أعمال عنف وإرهاب وفتنة، وترى أن ذلك يستهدف تشويه البلاد ونشر العنف والبلطجة وإسقاط هيبة القانون وأجهزة الأمن، ومن ثم تدمير الاقتصاد وتجويع الناس، والبعض الآخر يرون أن الحكومات التي أعقبت ثورة 25 يناير، مرورا بثورة 30 يونيو، حكومات فاشلة وضعيفة وجاهلة بحقيقة الأوضاع الحرجة في البلاد، وهي تعمل دون إصلاح المنظومة اللصوصية الفاسدة التي خلفها مبارك ومرسي، وهي من تدير مؤسسات الدولة الآن، وما بين هؤلاء وأولئك تقع أغلبية كبيرة في حالة اليأس.

تقول مريم جاد، موظفة بمعمل تحاليل طبية وأم لابنتين في الجامعة وابن بالمرحلة الثانية، “إن أخطر ما نعانيه هو أن مشاهد الشجار والاعتداء بالسب والضرب صارت تقع لأتفه الأسباب في السوق والبيت والعمل، لا احترام لسن أو توقير لجيرة أو خوف من عقاب، وتراجعت روح التسامح، وهناك طمع وجوع مستشريان بين الناس، إنها أمور تبعث على الخوف”.

مشاهد الشجار والاعتداء والضرب أصبحت أبرز ما يميز يوميات المصري

وأضافت مريم “الجوع أهون مليون مرة من أن تعيش وأنت غير آمن على نفسك وزوجك وولدك، الجوع يمكن كسره بأي فتات، لكن الأمن والأمان كيف للمرء أن يشعر بهما وسط هذه الفوضى، كيف لك أن تكسر الخوف والفزع، طوال الوقت ويدك على قلبك أو مرفوعة إلى الله تسأله الحفظ والستر، “الولد تأخر في المدرسة أو في الدرس الخصوصي”، “البنت تأخرت في الكلية”، “الكلية فيها ضرب نار”.. يا رجل أنا “قربت أتجنن”.

وتتفق معها الحاجة حياة عبدالرحمن، ربة منزل وأم لطالب وحيد بكلية التربية جامعة الأزهر، حيث تقول “نحن نعيش مكرهين أو مضطرين، بلا رعاية واهتمام، الخدمات الحكومية صفر، موظفوها يديرون لك ظهورهم، والرشوة بدل أن تختفي أو تضعف تضاعفت أضعافا، تذهب إلى قسم الشرطة لتشتكي من أحدهم لأنه ضربك أو سبك أو تهجم عليك، يقولون لك “فوت علينا بكره محدش فاضي للكلام الفارغ ده”، طوابير العيش رجعت أسوأ من السابق، والرغيف ـ اسستغفر الله العظيم ـ “ما يشبعش كلب”".

ويؤكد السيد عمر أحمد، موظف بهيئة سكك حديد مصر، أن الناس يكادون يفقدون الأمل في الإصلاح، “الإرهابيون والبلطجية يقضون مضاجعنا، أنا كمساري أتعرض يوميا للتطاول عليّ وأتجاوز خوفا من أن يمد أحدهم يده فلا دية لأحد في هذه الفوضى، انظر رجال الجيش والشرطة الذين قتلوا، من انكوى بنار فقدهم، أسرهم فقط، لا حكومة ولا غيرها”.

ويشكو عبده إبراهيم، صاحب محل ملابس بوسط القاهرة، من الركود و”وقف الحال” الذي يعانيه الجميع، ومن الباعة الذين يفترشون الأرصفة والشوارع، واللصوص الذين يحومون حول المحلات، وقال ”إن أصحاب المحلات يساندون بعضهم واستعانوا بأفراد حراسة جدد لمنع أية محولات سرقة ونهب، لكن ليس دورنا القبض على بلطجية يحملون الأسلحة، نحن ندفع الضرائب ونطالب الدولة بحمايتنا والقيام بدورها”.

واتهم “عبده” الجماعات الإرهابية وأنصارها من البلطجية بدفع البلاد إلى الهاوية، ويقول “الشرطة في ورطة كبيرة، فحجم المسؤوليات عليها كبير، فضلا عن أنها لا تستطيع وحدها إعادة الأمن والاستقرار إلى الشارع، لابد من الجيش، لو قام أفراد الشرطة بطرد الباعة الجائلين هنا، سوف يضربونهم لأنهم مسلحون، كل فرش أو نصبة هنا تحتها سلاح”.

ويلفت عبد الراضي هلال، وهو موظف بالإدارة التعليمية بالهرم، إلى أن الألفاظ النابية والإباحية والبلطجة وصلت إلى طلاب المراحل الإعدادية والثانوية، فلم يعد هناك ضابط ولا رابط، والمدارس تعيش أسوأ فتراتها على الإطلاق “السلاح الأبيض في يد الطلاب وتباع المخدرات في حزام أغلب المدارس، خاصة مناطق المنيب وكرداسة والعمرانية وفيصل، والمدرسون يشكون من تطاول الطلاب وتهجمهم عليهم”.

ويضيف “حالة الإرهاب التي تعيشها البلاد أفقدت الكثير من الأمور قيمتها وأهميتها، فلم يعد أحد يبالي بالتعلم ولا الأخلاق، أولياء الأمور مغلوبون على أمرهم مثلهم مثل المدرسـين، الكل مضغوط ويعاني”.

الأوساخ تعم شوارع القاهرة

وتزداد الأمور قتامة حين يقترب المرء من المناطق الشعبية والمتوسطة، فالشكوى ثابتة من الغلاء والفقر وإهمال الحكومة لخدمات الصحة والتعليم والنظافة والصرف الصحي والمياه والكهرباء وانتشار السرقة والبلطجة والإرهاب الإخواني والسلفي والمخدرات والحبوب المخدرة.

ويؤكد عبد العزيز سرحان من منطقة الدويقة، أن منطقته دولة داخل الدولة، الناس يعيشون فيها تحت تهديد السلاح، وممارسة العنف لا تجد لها رادعا من قانون أو شرطة، المخدرات تباع جهارا نهارا، والسلاح الأبيض في أيدي الكبار والصغار والإتاوات تفرض على الأسواق غصبا من البلطجية، ويرى أن نفس الأمر ينطبق على منشية ناصر والبساتين ـ مناطق عشوائية مأهولة بالسكان ـ بل أسوأ، وأن الحكومة “ملهية” في الإرهاب، لكن الناس تائهون.

وترد هالة يسري، أستاذة علم الاجتماع، الأمر إلى ما تقوم به الجماعة الإرهابية، وتقول إن جزءا من الفوضى في الفترة الحالية ناتج عن ممارسات الخارجين على القانون الذين يقومون بإثارة أعمال الشغب وافتعال أعمال العنف والبلطجة والكتابة على الجدران وحرق إطارات السيارات وقطع الطرق، يجب أن يقف الجميع صفا واحدا من أجل القضاء على الفوضى، واستيعاب أن مثل هذه المظاهر ناتجة عن الفترة الانتقالية التي تمر بها البلاد.

20