بين الاستقرار والديمقراطية المصريون يختارون رئيسهم الجديد

الاثنين 2014/05/26
ذاكرة المصريين لن تنسى دور الجيش المصري الحامي لها من الإرهاب

القاهرة - يتوجه ملايين المصريين اليوم وغدا لاختيار رئيسهم السابع، وسط أجواء سياسية يسودها الحذر، خشية حدوث أعمال عنف من قبل جماعة الإخوان وأنصارهم من المتطرفين، ويتمنى كل من المرشحين المتنافسين عبد الفتاح السيسي وحمدين صباحي، الحصول على النسبة الأكبر من أصوات نحو 53 مليون شخص، لهم حق التصويت في هذه الانتخابات.

وقد اتخذت الأجهزة الأمنية، من جيش وشرطة، استعدادات كبيرة لتخرج هذه الانتخابات بسلام، ولتفويت الفرصة على من يريدون التشويش عليها سياسيا وأمنيا، فقامت بتوفير مئات الآلاف من الضباط والجنود لتجري الانتخابات في أجواء هادئة، وتم تذليل العقبات أمام المنظمات الحقوقية، المحلية والدولية، التي تتولى المراقبة، وجرى تسهيل مهمة الناخبين للوصول إلى لجان الاقتراع.

سيناريوهات متوقعة

توقع مراقبون بعض السيناريوهات التي من الممكن أن تلجأ لها جماعة الاخوان لعرقلة عملية الانتخاب ، تتمثل باحتمال وقوع عنف مصاحب للانتخابات، خاصة وقد ظهر ذلك منذ الثالث من يوليو 2013 بالاحتجاجات والتظاهرات التي نظمتها الجماعة في كافة مدن ومحافظات القاهرة والجامعات المصرية، بجانب حدوث أعمال تخريبية وتفجيرات استهدفت مقار وقيادات الشرطة وأمن الدولة. وتهدف تلك الأعمال لإحداث الفوضى بتخويف الناخبين ومحاولة منعهم من الوصول إلى صناديق الاقتراع، ومن ثم تقويض العملية الانتخابية لإظهار ضعف الإقبال وعدم وجود تفاعل مع العملية، بينما ظهرت مؤشرات خطيرة على نتائج التصويت بالخارج بالإتلاف المتعمد لعدد كبير لبطاقات الانتخابات، مما يعكس مخطط الجماعة لتخريب .

إضافة إلى ذلك يرىعدد من المراقبين إمكانية أن تلجأ الجماعة للعنف والتفجيرات أثناء الاستحقاق الرئاسي، حتى لا ينزل المصريين بكثافة، ويقول عماد جاد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في هذا الصدد : الإخوان لا تتوانى عن إفساد وعرقلة الانتخابات الرئاسية، حتى مع إعلان وزارة الداخلية في كشف بعض الخلايا الإرهابية المتحالفة مع جماعة الإخوان لعرقلة الانتخابات، وتعطيل عملية التصويت”. ويرى الخبير السياسي أن نسبة التصويت في انتخابات الرئاسة بين السيسي وصباحي تتطلب كثافة التصويت والحشد بالملايين، مقارنةً بالاستحقاق الماضي الذي تجاوز 25 مليون صوت انتخابي، من أجل إغلاق منافذ الإرهاب الأسود، وإفساد مخططات الغرب نحو الرئيس القادم، من خلال منحة شرعية انتخابية تفوق ما حصل عليها مرسي وجماعته قبل عامين.

التصدي لتجاوزات الإخوان، بإعلانها جماعة محظورة، أعاد العلاقات المصرية الخليجية إلى وضعها الطبيعي

وإذا كان الجانب اللوجستي حظي بقدر عال من الهدوء، فإن الجانب السياسي بين المرشحين اشتعل قبيل فتح باب التصويت في الانتخابات، حيث ضاعف صباحي وأنصاره من العزف على وتر أنه مرشح الثورة، واتهم منافسه السيسي بأنه يمثل “الثورة المضادة”، وهى العبارة التي راجت في مصر، وأصبحت تطلق على كل من يرفض إحداث تغيير جذري في الحياة السياسية، ويبدو كمن يعمل لصالح عودة رجال نظام حسنى مبارك، ولم يتوان صباحي عن توجيه اتهامات إلى منافسه بأنه “مرشح الفلول”، أي الحزب الوطني المنحل، الذى حكم مصر خلال عهد مبارك.

في المقابل التزم المشير السيسي بهدوئه المعروف، ولم ينجر إلى معارك جانبية، تستهدف منافسه، وركز في حواراته المتعددة على مشروعه لنهضة مصر، ومنح اهتماما لمسألة خروج المصريين للتصويت، حتى ينقلوا إلى العالم صورة مشرفة، في إشارة ضمنية إلى تفويت الفرصة على الإخوان الذين طالبوا المواطنين في خطابهم المعلن بالمقاطعة، لكن عددا من أنصاره وجهوا سهامهم إلى صباحي ومؤيديه، خاصة علاقاته السابقة بالإخوان، والترويج لفكرة أنه مرشحهم المتدثر برداء الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والتركيز على برغماتيته، حيث أشار في أحد حواراته الصحفية إلى استعداده لتولي منصب رئيس الوزراء، إذا رأت الأغلبية البرلمانية ذلك، على حد قوله.


انعطافة سياسية

يأمل المصريون في أن تكون هذه الانتخابات انعطافة حقيقية في مسار الديمقراطية، ويعتقد قطاع كبير منهم أن المرشح عبد الفتاح السيسي هو الأوفر حظا، والذي يستطيع تحقيق هذه الأمنية، على الرغم من الاتهامات المتلاحقة بأنه مرشح “العسكر” وأنه قد يعصف بالحريات، غير أن قريبين منه أكدوا رغبة المشير في تأسيس دولة ديمقراطية، تستوعب جميع الأطياف السياسية.

الانتخابات الرئاسية في مصر، تمنح خطة خارطة الطريق التي أعلنت في الثالث من يوليو الماضي مصداقية عالية، حيث تم إعداد الدستور، وتبقى خطوة أخيرة وهي إجراء الانتخابات البرلمانية واختيار أعضاء مجلس النواب.

ومن المرجح أن تشهد معركة حامية، في ظل الجدل الذى أثاره القانون الجديد الخاص بها، في جزئية الحصة المخصصة أو الممثلة لبعض الطوائف في المجتمع، مثل المرأة والأقباط.

المصريون يدلون بأصواتهم للإختيار بين السيسي وصباحي

وبصرف النظر عن اسم المرشح المتوقع فوزه، فإن هذه الانتخابات سوف تكتب ورقة النهاية لجماعة الإخوان، التي راهنت على عدم اتمامها، وبنت حساباتها على بيانات تخصها، لا علاقة لها بما هو واقع على الأرض، لذلك يرى متابعون أن إجراء الانتخابات في حد ذاته سيلقي بحجر ثقيل في مياه الإخوان الراكدة، وفوز السيسي المنتظر سيفرض عليهم الاعتراف قسرا بالهزيمة، والبحث عن موطئ قدم سياسي خلال الفترة المقبلة، عقب تأكيد السيسي بعدم وجود إخوان في عهده.

أعادت الانتخابات الرئاسية للمصريين الاطمئنان المفقود في ظل حكم جماعة الاخوان المسلمين المحظورة، فهم اليوم على الموعد للإدلاء بأصواتهم، في الاستحقاق الرئاسي لتدشين مرحلة جديدة في تاريخ مصر ما بعد الإخوان.

تعيش جماعة الإخوان المسلمين حالة تخبط غير مسبوقة، فالجماعة التي حركت خلاياها لبث الفوضى وحاولت إشعال مصر، بعد سقوطها من الحكم، لم تنجح بسبب الرغبة الشعبية في تجاوز الماضي والانتقال نحو مرحلة جديدة، وهو ما برهن عليه الاقبال الشعبي المكثف للاستفتاء على الدستور في الفترة السابقة.

التأييد الشعبي والسياسي في مصر الذي رافق إعلان الإخوان تنظيما إرهابيا، أعطى دليلا قاطعا على انهيار أسس التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما أجمعت عليه أغلب الدراسات والتحاليل التي ربطت انهيار التنظيم بنجاح الانتخابات الرئاسية التي بدأت اليوم في مصر.

وفي تحليل بعنوان “نهاية جماعة الإخوان الإرهابية.. بين العمل السري والسجون ثم السلطة فالشتات” أكد مركز المزماة للدراسات والبحوث أن تفتت خلايا الجماعة بدأ من مصر متبوعا بضربة قاصمة من دول الخليج باستثناء قطر، حيث سارعت بإعلان دعمها ومساندتها سياسيا وماليا للقاهرة.

السيسي قرر مواجهة الإرهاب والفوضى، وهو ما زاد من التأييد الشعبي له وعزز حظوظه في الفوز


انهيار أركان الجماعة

لم يكن المشهد المصري الوحيد الذي هز أركان الجماعة، حيث كشفت دول الخليج أيضا مكائد الجماعة لتقضي عليها بضربة واحدة عدا قطر التي تشكل الداعم الأساسي والممول لنشاط الجماعة، لكن بشكل عام تحول الإخوان إلى فلول وشتات منتشرين في بعض الدول يحيكون المؤامرات دون جدوى بعد أن كشفت الأسماء والتحركات وكل ما كان سريا سابقا في هذه الجماعة التي ظهرت إلى العلن، فتدمرت تماما.

والآن تكافح قيادات جماعة الإخوان المسلمين لتوحيد صفوفها خارج مصر وسط عزلة عن كوادرها وغضب شبان من أنصارهم يسعون إلى التغيير من خلال العنف، أما الكوادر العليا فمنهمكة في التنقل بين لندن والدوحة واسطنبول لرسم استراتيجيتها في دول لاتزال تغض الطرف عن نشاط الجماعة التي تحمل لواء الإسلام السياسي، لكن العودة إلى الحياة السياسية ستكون صعبة جدا، حسب ما أكده العديد من الخبراء، وإعلان المرشح للرئاسة المشير عبد الفتاح السيسي، والذي حمل حديثه فيه إشارات بملاحقة التطرف والإرهاب، مؤكدا على أنه لا مكان للإخوان خلال فترة توليه الرئاسة، وهو ما يعني أن السيسي قرر مواجهة الإرهاب والفوضى، وهو ما زاد من التأييد الشعبي له وعزز حظوظه في الفوز.

وتشهد مصر انتخابات من شبه المؤكد أن يفوز فيها قائد الجيش السابق عبد الفتاح السيسي الذي عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي العام الماضي بعد احتجاجات حاشدة على حكمه وقادت الحكومة بعدها حملة صارمة على أنصاره، ويقول السيسي إن جماعة الإخوان المسلمين التي نشطت بعد الإطاحة بالرئيس حسني مبارك عام 2011 لن يكون لها وجود إذا تولى الرئاسة.

مأمون فندي: تحقيق الاستقرار في مصر ينعكس على الاستقرار في الخليج

و يشير مركز المزماة نقلا عن تقارير صحفية إلى أنه مع تضاؤل فرص الإخوان في العودة مجددا إلى الحياة السياسية في مصر، لا تزال قطر تحاول جمع شتات الجماعة المعزولة في المحيط العربي من خلال اتصالات ووساطات لبحث نوع من الحل الوسط المؤقت مع القاهرة يتيح نشاطاً للإخوان، وهي محاولات باءت كلها بالفشل.

وتقول شخصيات إخوانية في الخارج إنها تسعى إلى تعلم الدرس من إخفاق الجماعة في الاحتفاظ بالسلطة، فقد قال أحمد يوسف، وهو عضو بارز في قطاع الشباب بجماعة الإخوان المسلمين، يقيم في تركيا، إن هناك انتقادا حادا للذات داخل الإخوان، حيث عقدت اجتماعات مطولة لمناقشة الأخطاء وما يمكن فعله في المستقبل.

من جهته أشار عبد الرحمن عياشّ، وهو عضو سابق بجماعة الإخوان، يقيم في تركيا، إلى أن جماعة الإخوان لاتزال حتى الآن متغطرسة جدا، هي بحاجة إلى تقبل بعض النقد، فيما يرى آخرون أن خطأ الجماعة كان التسرع في اقتناص السلطة قبل أن تتعلم كوادرها كيف تحافظ على الحلفاء وكيف تحكم.

وقال طارق الزمر من حزب البناء والتنمية الذراع السياسية للجماعة الإسلامية، وهي جماعة ساندت مرسي خلال حكمه، “كان من الخطأ أن يدخلوا شيئا لم يكونوا مستعدين له على الإطلاق، ونحن نرى النتائج اليوم”، وتلقي الحكومة المصرية باللائمة على الإخوان في الاضطرابات التي قتل فيها مئات من أفراد الشرطة والجيش منذ سقوط مرسي.

تقارب مصري خليجي


أحدث تساهل قطر مع الإخوان شقاقا عميقا بين دول الخليج، وكان الرد الخليجي على الدوحة ومؤامرات الإخوان حاسما، فقد كشفت دول خليجية مؤامرات الإخوان بعد أن حاولت الأخيرة إقامة تنظيمات إرهابية وتنشيطها، ليكون الرد بكشفها واجتثاث الإخوان والقضاء عليهم وعلى فكرهم، فجماعة الإخوان زادت دول الخليج رغبة في تعميق التجربة الخليجية، إذ لم تؤثر كل تلك المؤامرات على احتفالات الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، بذكرى مرور 33 عاما على تأسيس المجلس، حيث بينت أن المجلس ، خطى خطوات نحو الأهداف التي نص عليها نظامه الأساسي في كافة المجالات.

عماد جاد: الإخوان يعملون على إفساد وعرقلة الانتخابات الرئاسية

وأشارت إلى أنه في مجالات الأمن والدفاع، حرصت دول المجلس على تأطير التعاون القائم بينها في هذه المجالات من خلال اتفاقيات محددة، فتم التوقيع على معاهدة الدفاع المشترك، وعلى اتفاقية مكافحة الإرهاب، وتابعت اللجنة أن دول مجلس التعاون خطت عدة خطوات عززت ورسخت القواعد الأساسية لنجاح أي كيان، مثل توحيد العديد من الأنظمة والقوانين في مجال الأمن والتعليم والصحة والتأمينات والتقاعد والتجارة والزراعة والصناعة والاستثمار وتداول الأسهم وفي المجال العدلي والقانوني وتملك العقار.

في المقابل تجمع الدراسات على أن التصدي لتجاوزات الإخوان، والذي تمثل في إعلانها جماعة محظورة، أعاد العلاقات المصرية الخليجية إلى وضعها الطبيعي، وبالأخص الإمارات والسعودية، والتي شهدت تطوراً ودفعة قوية عقب ثورة 30 يونيو وإزاحة الرئيس السابق محمد مرسي، كما يرى مأمون فندي أستاذ العلوم السياسية الذي يقول، إن تغير الموقف الخليجي تجاه مصر عقب 30 يونيو وسقوط جماعة الإخوان المسلمين، كان واضحا في تبادل الزيارات رفيعة المستوى بين الجانبين، وإعلان الإمارات والسعودية دعمهما لـ “خارطة الطريق”.

وتابع فندي: “لم يقتصر دعم دول الخليج لمصر على الدعم المعنوي فقط، بل امتد ليشمل دعما ماليا، حيث وقعت العديد من الاتفاقيات، وقدمت كل من الإمارات والسعودية والكويت المنح والمساعدات للحكومة المصرية لتنفيذ عدد من المشاريع التنموية في فيها، لافتا إلى أن ذلك جاء من منطلق وعي دول الخليج، بأن تحقيق الاستقرار في مصر ينعكس على الاستقرار في الخليج.

يجمع الخبراء وفقا للمعطيات القائمة على الساحة السياسية في مصر على أن الانتخابات الرئاسية المصرية حدث تاريخي تأثيراته لا تقتصر على مصر فقط بل على دول الخليج والمنطقة العربية بأكملها، لأن هذه الانتخابات وما ستسفر عنه من نتائج بفوز أحد المرشحين والأغلب سيكون المشير عبد الفتاح السيسي، ستدخل مصر والمنطقة العربية في مرحلة جديدة حاسمة في تاريخها، بعد سقوط الإخوان.

6