بين الجد واللعب

الأربعاء 2015/02/04

كم لعبنا حين كنّا صغاراً!.. كم كان أقصى اُمنيات الفرح أن نلعب!.. لا يسعدنا المأكل والملبس والنزهات الجميلة إلا بقدر ما يمكن أن نثري بهم ألعابنا..

أتذكر كم كان كل شيء أراهُ أمامي يفتح نافذة في خيالي الطفولي كي أستثمره بلعبة: .. الأماكن، الأشياء، قطع الأثاث، علب الكبريت.. كرات النفتالين!.. أتذكر فرحي الغامر ما أن أرى أولاد عمتي أو خالي وهم يهلّون علينا أو حين ننوي زيارتهم.. فقط لأن ذلك سيعني مهرجان لعب ومرح!..

وأتذكر أيضاً.. وهو سرّ ربما أبوح به للمرة الأولى.. أنني، رغم ولعي بالرسم والألوان في طفولتي، لم أكن أحب أفلام الكارتون!.. ربما لم يشاطرني هذا الشعور أحدٌ من أصدقائي وصديقاتي.. وكان جل انزعاجي وغضبي وبكائي أن نكون بصدد اللعب وينادينا أحد الكبار:

- “يا أطفال.. بدأت أفلام الكارتون..”

- “يا إلهي!… راح اللعب!”

ربما كان ذلك لأن أفلام الكارتون كانت تحرمني من اللعب الجماعي أو من المرح والركض والتقافز.. ولذا فلم أكن أتابعها إلا مضطرة.. أو حينما أكون وحيدة ولا أجد من يلعب معي!.. ولا أدري هل كان هذا مؤشراً مبكراً يوحي بأنني إنسانة اجتماعية وتحب المشاركة؟

كانت أول أفلام كارتون قد لفتت انتباهي هي قصة “ساندي بيل”.. ذلك أنني كنت قد كبرتُ قليلاً وبدأت مشاعري ترتبك أمام شيء يسمّى الحب.. وكانت “ساندي بيل” في حبها لمارك تداعب أحلام مراهقتي الأولى! ..

كنت مولعة بالقراءة.. وكنت أحفظ الشعر منذ سن مبكرة.. وكانت أهم لعبة أدخلتني عالم الشعر تلك اللعبة العجيبة التي كانت جدتي رحمها الله تلعبها معنا.. كنت في التاسعة من عمري حين كانت جدتي تجمعنا نحن الصغار وتوزع علينا أوراقاً صغيرةً نكتب على كل منها موضوعاً نحب الكتابة عنه.. (الشجرة.. القطة.. الكتاب ..السوق.. البكاء….) وكنا نضع الأوراق في كيس ويسحب كل منا ورقة حسب دوره.. ويعلن الموضوع فنبدأ بالكتابة.. ويحاول كلٌ منا أن يقول شيئاً عن ذلك الموضوع ببيت شعر أو بتحريف كلمات أغنية معروفة.. وكان الفائز فينا من يكتب أجمل بيت أو أجمل أغنية! .. ولعجبي فقد كنا كلنا شعراء!.. فيالها من لعبة!.. ويا لتلك الأيام!

كان ولعي بالقراءة قد استحوذ بالتدريج على حبي للعب.. وتزامن معه حبي للموسيقى وانشغالي باهتمامات وهوايات أخرى أكثر جدية.. رغم أن الكثير من صديقات وأصدقاء الطفولة كانت ألعابهم تكبر معهم.. بل أعرف الآن من الكبار كثيرين من المولعين بالألعاب الإلكترونية مثلاً أو الرياضية.. في الوقت الذي صار جل ما أكره وما أجده مملاً مضيّعاً للوقت هو اللعب..

أما ألعاب الكبار.. ألعاب الرجل مع المرأة وألعاب المرأة مع الرجل فهذا ما لم أحببه أو أعرفه.. وما لن أتعلمه ما حييت.. فأنا أقول ما أحس.. وأحس جداً بما يقالُ لي .. وعليه فقط أتصرف.. ولن أدخل في حساباتي أيّ إملاءات أو تعليمات.

بقي أن أقول: صحيح أنني لم أعد أحب اللعب.. لكنني مازالت أعشق المرح.. فهو موسيقى حياتي التي بها أستطيع أحيانا أن أخرجَ من روحي جنيّ الحزن!.. روحي التي مازالت رغم كل تلك السنوات.. طفلة تعشق الحياة..

صباحكم مرحٌ وطفولة..

21