بين الخير والشر لا توجد مساحات رمادية في الحكايات الخيالية

حكايات الأميرات والجنيّات التي ولدت في حضن طبيعة ساحرة مليئة بالألوان في بلاد العجائب ما زالت توفر كل أنواع الأحلام بالمجان لصغار اليوم، بعد أن علقت في خيالنا الطفولي ولم تغادرها حتى اللحظة وكانت بوابتنا لدخول عالم الواقع بكل تناقضاته وغرائبه الذي عاكس منطق الحكايات الخيالية وعاند نهاياتها السعيدة؛ فحكايات الواقع نمت خارج أحلامنا على أرض رمادية صلبة نادرا ما تنمو فيها زهور الأمل، فلم تحمل أقدامنا إلى أرض الخيال إلا بشق الأنفس.
الأربعاء 2015/10/07
الحكايات تسهم في بناء شخصية الطفل من خلال وضوح الحد الفاصل بين الخير والشر

ظهرت الحكايات الخيالية في مختلف دول العالم على يد كتاب مرموقين أو مغمورين، لكنها انتشرت مثل النار في الهشيم وتداولها الصغار من الفقراء مثل أحلام بعيدة المنال على شفاه أمهات قانعات بنصيب قليل من الفرح، كما أحبها الصغار من الأغنياء على شكل كتب وملصقات ودمى وحكايات قبل النوم.

كان ذلك، في الماضي، تقليدا عائليا ثابتا دأب معظمنا على الاحتفاظ بتفاصيله مثلما نحتفظ بقطع أثاث مميزة، لكن ما الذي يجعل من أطفال اليوم مشدودين إلى الحكايات ذاتها، أو حسب علماء نفس الطفل؛ هل ما زالت قصص الجنيّات الخيالية تأتي على مقاس أطفال اليوم بكل ما يمثل عالمهم من متغيرات في المفاهيم والقيم عن عالم الأمس الذي غزت فيه حكايات الأميرات؟

ترى شيلا كولر؛ متخصصة في علم النفس وتدريسيه في جامعة برينستون وكولومبيا الأميركية، أن تكرار تداول هذه الحكايات يحمل الأهمية ذاتها بالنسبة إلى أطفال اليوم، بل إنها أكثر أهمية وجدوى معهم بالمقارنة مع الأجيال التي سبقتهم، لما تحمله من معان وقيم تسهم في بناء شخصية الطفل من خلال وضوح الحد الفاصل بين الخير والشر؛ فالخير بيّن والشر كذلك، حيث لا توجد مناطق رمادية في هذا النوع من الحكايات.

وتعتقد كولر بأن الطفل سيكون باستطاعته من خلال هذه الحكايات، أن يوجه حنقه ومشاعر كرهه إلى الشخصيات الشريرة في الحكاية، في واحدة من أكثر الوسائل النفسية أهمية لتفريغ شحنات غضبه وانفعاله على شخصيات حقيقية في الواقع ليس باستطاعته أن يوجهها بمشاعره هذه في الواقع وبصورة مباشرة فيستخدم وسيلة الحكايات المتاحة من دون أي شعور بالخوف أو الذنب.

الطفل بطبيعته يتعاطف كثيرا مع الضعفاء، في اعتراف ضمني بأنهم يشبهونه إلى حد كبير في ضعفه وقلة حيلته

وهكذا يمكنه أن يكره زوجة الأب في حكاية سندريلا والذئب في حكاية ليلى والملكة الشريرة في حكاية قطر الندى، في توجيه وتفريغ غير مباشر لمشاعر حنق مكتومة ضد شخصيات شريرة (من وجهة نظره) موجودة في واقعه.

من جانب آخر، فإن حكايات الجنيّات وفي جانب الخير منها تمتلك العديد من الشخصيات الطيبة والقوية والشجاعة، ويمكن أن تكون هذه الشخصيات أمثلة يقتدي بها الطفل ويتعلم منها قيم مهمة في تعزيز بناء شخصيته في المستقبل؛ فهو يتعلم الشجاعة حين يتابع خطوات الأمير في “الأميرة النائمة” الذي يقاتـــل وحـــوش الغابة من أجل الوصول إلى الأميـــرة وإنقــاذها، كما هو الحال مع الفتاة الصغيرة التي تتعلــم دروسا مهمة من طيبة “سندريلا” وسعيها إلى عمل الخير حتى مع من أساء إليها.

فالطفل بطبيعته يتعاطف كثيرا مع الضعفاء والفقراء والمسحوقين وكيفية تغلبهم على المصاعب، في اعتراف ضمني بأنهم يشبهونه إلى حد كبير في ضعفه وقلة حيلته في مواجهة عالم الكبار، وهذا بالطبع يمنحه الفرصة للتعبير عن مشاعره وتعاطفه مع الضعفاء، من خلال هذه الحكايات في الوقت الذي يحافظ فيه على جزء أساس من مكونات عالمه الصغير، وهو الأمل في إمكانية تحقيق التغيير.

الطفل سيكون باستطاعته من خلال هذه الحكايات، أن يوجه حنقه ومشاعر كرهه إلى الشخصيات الشريرة في الحكاية

من جانبها، ترى الدكتورة ما رثا بيسليه ليفن؛ استشارية طب الأطفال والعلوم الإنسانية في مركز الطب النفسي في ولاية بنسيلفانيا الأميركية، أننا جميعا، كبارا وصغارا، نتمنى أن نجد أنفسنا في شخصيات سعيدة في حكايات خيالية نقرأها في الكتب أو نشاهدها في التلفاز، فنبحث دائما عن الكلمات المذيلة لنهاية كل قصة “عاشوا

في سعادة وحب إلى الأبد”، لكننا لا نلبث أن نصحو على واقع لا يشبه هذا الخيال فلا تبدو معه النهايات بمثل هذه الألوان البرّاقة، هذا هو الواقع الذي يتوجب أن نتعامل معه لكنه ليس واقعا قاتما على أي حال، فالحياة تحمل الكثير من الفرح والحزن أيضا بصورة غير متساوية ربما، هذا لأنها لا تمت للخيال بصلة.

وتتساءل ليفن، ترى ما الذي يشّدنا إلى هذا العالم الساحر الخرافي؟ هل ينبع من رغبتنا في تحقيق الأحلام وكل ما يعدنا به الخيال من شعور بالأمان والحب الذي لا ينضب وفق نهايات سعيدة نرسمها لأنفسنا، نهايات لا يتدخل فيها قدر أعمى ولا تشوبها أي خسارة مهما كانت؟

21