بين الزّعم والوهم.. حزب الله وموقعه الطبيعي

لا يميّز حزب الله عن باقي المنظومة سوى أنه تمكن من خلال انتمائه إلى منظومة نظام الملالي الإيراني أو كونه امتدادا إقليميا لها.
الخميس 2020/01/23
جزء من المنظومة الطائفية المسيطرة في لبنان

يحزنني أولئك الذين لا زالوا يظنون أنه من الممكن العمل على إسداء النصح لحزب الله باعتباره “حزبا مقاوما”، لكي يعود فينحاز إلى الانتفاضة الشعبية في لبنان باعتبار أنه “يمتلك تاريخا مشرّفا في مقاومة الاحتلال الصهيوني”، وأنه “يمثل شريحة عريضة غالبيتها الساحقة تقع تحت وطأة الضغوط الاجتماعية التي أدت إليها سياسات اقتصادية واجتماعية رعناء لمنظومة ناهبة، حاشا أن يكون من حرّر الجنوب مشاركا فيها”.

يحزنني هؤلاء إما أنهم لا يدركون طبيعة هذا الحزب وحقيقة تمثيله الشعبي وموقعه وبالتالي دوره إقليميا وداخليا في هذا النظام الذي انقلب عليه اللبنانيون في 17 أكتوبر الماضي، أو أنهم يتعامون عمدا عن كل ذلك في إطار عملية تضليل مقصودة لهم دور ما فيها.

قد يكون لتوقف حزب الله عن شن الحملات الإعلامية والتشبيحية على ساحات الانتفاضة، وقد يكون لما قيل عنه إنه تغاضي حزب الله عن مشاركة أعداد متزايدة من أبناء ما يعتبرها بيئته الشعبية في التظاهرات والاعتصامات والمواجهات في شارع الحمراء وعلى مداخل ساحة النجمة حيث يوجد مبنى البرلمان، ما شجع البعض على إسداء مثل هذا النصح ظنا منه أنه يشجع الحزب على الانسلاخ عن منظومة السلطة ودعم الانتفاضة وبالتالي الاستفادة من انتصارها. وهنا أيضا نلمس جهلا أو تجاهلا للأسباب السياسية والاجتماعية وخصوصا الإقليمية، التي أجبرت حزب الله على ذلك.

لقد بيّنا سابقا في مقالات عديدة دور حزب الله في سحق المقاومة الوطنية اللبنانية، وفي احتكار شعار المقاومة لمصلحة منظومة طائفية وفي توظيفها لخدمة هيمنته داخليا، ومد سيطرة نظام الملالي الإيراني الذي يتبعه إقليميا.

أما بالنسبة للتمثيل الشعبي الذي يظنه البعض، فإن حزب الله لا يختلف في شيء عن باقي المنظومة الطائفية والمذهبية التي تعمل باستمرار على تمزيق الشعب اللبناني وتحويله إلى إقطاعيات طائفية ومذهبية، مُغتصَبة التمثيل السياسي ومسلوبة الإرادة السياسية، تضعها أحزاب السلطة في مواجهة بعضها لكي تتمكن من تأبيد سيطرتها عليها، فتتنازع على تقاسم مغانم السلطة بها وتتوافق على محاصصاتها على حساب لقمة عيش أبنائها ومستقبلهم ومستقبل بلادهم.

ولا يميّز حزب الله عن باقي المنظومة سوى أنه تمكن من خلال انتمائه إلى منظومة نظام الملالي الإيراني أو كونه امتدادا إقليميا لها، ومن خلال أيديولوجيا مذهبية متحجّرة وبما يمتلك من سلاح ومسلحين، أن يهيمن على كامل المنظومة ويوظفها لمصلحته ومصلحة أسياده في طهران، على الأقل على المستوى السياسي إن لم يكن أيضا على المستوى الاقتصادي والمالي في ظل الحصار الدولي المضروب عليهما.

إن الاعتراف بشرعية التمثيل الشعبي “المذهبي” لحزب الله أو لسواه هو اعتراف بمشروعية كامل المنظومة الطائفية المسيطرة في لبنان.

كما أن الظن بأن حزب الله يهتم بالأوضاع البائسة التي يعانيها أبناء المناطق التي تقع تحت سيطرته هو وَهْم تدحضه الوقائع على مدى عشرات السنين الماضية، كما يدحضه مقتل الآلاف من الشبان اللبنانيين الذين زجّ بهم في سوريا.

إن الطبيعة الطبقية والعقيدة المذهبية لحزب الله وارتباطه البنيوي بنظام إيران، تضعه حتما في موقع العداء لأي انتفاضة شعبية وطنية مناهضة للنظام الطائفي وللاستبداد والتبعية، فكيف إذا أضفنا حجم المكاسب والمغانم التي تحصّل عليها نتيجة هيمنته شبه الكاملة على منظومة المناهبة المحلية.

أمّا لماذا أوقف حزب الله شن حملاته على الانتفاضة، وكيف تغاضى عن تزايد مشاركة “الشيعة” فيها، فهذا مردّه أنه بات بين فكّي كماشة أطبقت عليه: من الناحية الإقليمية نجد أن المحور الذي ينتمي إليه يترنح تحت وطأة الانتفاضات الشعبية، من بيروت إلى طهران مرورا بالعراق، في وقت تزداد الضغوط الدولية عليه خصوصا بعد اغتيال قاسم سليماني، والرد غير المتكافئ على هذا الاغتيال، وإسقاط طائرة الركاب الأوكرانية ومقتل كل من كان على متنها، وعجز السلطات الإيرانية عن تبرير هذه الجريمة.

أما الفك الثاني للكماشة فهو عدم قدرة حزب الله على الاستمرار في كبت الانفجار الاجتماعي في مناطق سيطرته، في حين يتوالى هذا الانفجار فصولا في سائر المناطق التي تجرأت على السلطة وأسقطت حكومتها، وإلا فإن هذا الانفجار سيضعه في مواجهة مع من يدعي أنهم بيئته الحاضنة. فالنظام الذي بادر الحزب إلى الدفاع عنه بكل صلف في بداية الانتفاضة استمر في وضع البلاد في حالة سقوط حر، حيث أغلقت العديد من المؤسسات وتضاعف حجم البطالة وانهار سعر صرف العملة وتضاعفت أسعار السلع والخدمات.. فأين المفر؟

هكذا وجد حزب الله نفسه مضطرا للتغاضي عن مشاركة “ناسه” في الانتفاضة من جانب، ومن جانب آخر يعمل على إذكاء الخلافات بين حلفائه في ما يتعلق بتشكيل الحكومة متعمدا تأخير ذلك بانتظار ما سيكون. غير أن ما سيكون تقرره سرعة الانهيار الاقتصادي والتردي الاجتماعي والمعيشي الذي سيرفع من منسوب ثورة الناس وسيزيد من تماسك المتضررين في وجه تضعضع قوى السلطة وتشرذمها.

من هنا نقول لمن يحاول نصحا لهذا الحزب، كفّوا عن الأوهام وانتظروا انهيار النظام وقيامة الشعب والوطن من رحم انتفاضة الموجوعين التي تتجدد كل يوم وتتألق في إبداعاتها غير المسبوقة رغم كل أشكال القمع وقنص العيون.

9