"بين السما والأرض" دراما مصرية تدور أحداثها في يوم واحد

محمد العدل: المسلسل تمكن من رصد تحولات المجتمع المصري في مكان ضيق.
الخميس 2021/06/03
بوح الشعور بدنو الأجل المحتوم

استطاع مسلسل "بين السما والأرض" الذي تم عرضه في الموسم الرمضاني الأخير، وبدأت بعض القنوات التلفزيونية في طرحه مرة أخرى، تشخيص التغيّرات العنيفة التي مرت بها الشخصية والمجتمع المصري، بالتركيز على الأخلاقيات والقيم المفقودة وسيطرة الانتهازية والمصلحة على المشاعر الإنسانية.

القاهرة - يقدّم المسلسل المصري “بين السما والأرض” الذي استمر عرضه في الموسم الرمضاني الماضي على مدار 15 حلقة فقط، معالجة مختلفة لقصة نجيب محفوظ التي جرى تحويلها إلى فيلم درامي في الستينات بالعنوان ذاته من إخراج صلاح أبوسيف، مستعرضا المشكلات الاجتماعية الحالية بروح عصرية مع الحفاظ على الفكرة ذاتها والمتعلقة بتعطل مصعد يضمّ مجموعة من الأشخاص والتغيرات النفسية والفكرية التي يمرّون بها مع شعورهم بدنو الأجل.

ويقول مخرج المسلسل محمد العدل، الشهير بـ”ماندو العدل” في حواره مع “العرب”، إن اختيار هذا العمل مغامرة بكل المقاييس، فالفيلم مصُنف كواحد من أهم علامات السينما المصرية ولا يزال عالقا في أذهان الجمهور، ما يفتح باب المقارنة بين النسختين.

وأضاف أن التحديات زادت في طبيعة القصة المختلفة عن عالم الدراما، فلم يحدث سابقا تصوير غالبية أحداث مسلسل في مكان ضيق مثل المصعد على مدار يوم واحد، بنفس الملابس ومساحيق التجميل، والتغيير يأتي فقط في الأحداث التي تدور خارج المصعد التي يتمّ سردها بطريقة الاسترجاع (فلاش باك).

وأوضح أن المسلسل كان مناسبا لعرض وجهة نظره وأفكاره، إذ صوّر تحوّلات ممثلين يظهرون بشخصيات مخالفة لحقيقتهم في اختلاف جذري عن الماضي، فالمجتمع المصري أصابه التغيير وفقد جانبا من الأخلاقيات والقيم النبيلة.

محمد العدل: المكان المغلق يشعر المشاهد بأنه محتجز ويصيبه بالاختناق
محمد العدل: المكان المغلق يشعر المشاهد بأنه محتجز ويصيبه بالاختناق

وسبق للعدل أن طرح تلك الأفكار في تجارب درامية سابقة بينها مسلسل “لأعلى سعر” بطولة نيللي كريم الذي مثل صدمة وقت عرضه بكل المقاييس، بعدما أظهر هيمنة الجانب المادي على أبناء الأسرة الواحدة لدرجة تخليهم عن شقيقتهم في معركتها مع طليقها لارتباطهم بمنفعة مالية معه وعمل مشترك.

وقال العدل إن أبطال “بين السما والأرض” المحتجزين بالمصعد ينحدرون من خلفيات ثقافية وطبقية مختلفة ويمثلون نماذج حية من المجتمع الحالي تختلف عن نظيرتها في الماضي، فحقبة الستينات لم تشهد انتشار التطرف أو الإرهاب وحتى المُتحرش أضحى ذا شكل وأسلوب مختلفين، وتطوّر الوضع من التحرش اللفظي إلى الاغتصاب وابتزاز الضحايا بالفيديوهات، وهو ما لم يكن شائعا في المجتمع آنذاك.

وتنبع صعوبة العمل الذي يتناول حكايات 11 شخصية محاصرة داخل مكان ضيق في الكتابة وعرض قصصها بطريقة الومضة الماورائية. ففي الحلقة الأولى يتم احتجاز أبطال المسلسل داخل المصعد ثم تعاود الأحداث لتتبّع حياتهم قبلها بعامين ثم عام واحد، فأيام، وصولا إلى ساعات قبل دخولهم السكن الذي يقع فيه المصعد.

وينتهج العمل أسلوب السرد الصعب الذي يحتاج إلى احترافية حتى لا يتوه الجمهور، وتضيع حالة التشويق والانتظار لمعرفة مصير وقصص الأبطال ومتابعة ماضيهم.

وأشار المخرج المصري إلى أنه أشرف على كتابة المسلسل وتدخّل بشكل كبير كي يصل إلى الشكل الذي عرض به، كما أن اختيار أبطاله خضع أيضا للمقارنة مع نجوم الفيلم الأصلي مثل هند رستم وعبدالسلام النابلسي ومحمود المليجي وعبدالمنعم إبراهيم وغيرهم، وما زالت لديهم مكانة في قلوب الجمهور.

وأبقى طاقم العمل على بعض المعالم الأصلية للفيلم مثل وجود ممثلة وسيدة حامل ومجنون، لكنها بطريقة مغايرة لمواكبة العصر، فتاريخ الشخصيات وأسباب تواجدها في المصعد مختلفة، وكل شخصيات المسلسل مركّبة على عكس الفيلم الذي تضمن قدرا كبيرا من الكوميديا.

توظيف مغاير

"بين السما والأرض" يؤكد أن الدراما ليست في زيادة عدد الحلقات وكمية الحركة والاشتباكات، ولكن بالفكرة والأداء الجيدين
"بين السما والأرض" يؤكد أن الدراما ليست في زيادة عدد الحلقات وكمية الحركة والاشتباكات، ولكن بالفكرة والأداء الجيدين

فاجأ المخرج الجمهور باختياره لمحمد ثروت ومحمود الليثي في أدوار تراجيدية وجادة مختلفة عن أدوارهما الكوميدية السابقة، حيث جرى تنميطهما في قالب واحد مضحك دون محاولة اكتشاف قدراتهم التمثيلية الكامنة، وهو ما لقي قبولا كبيرا من الجمهور.

وأكّد العدل لـ”العرب” أن شخصية “جلال أبوالوفا” التي جسّدها الفنان محمد ثروت هي لشخص مظلوم مقهور ومهدر حقه وينبغي أن يتوافر له القبول والتعاطف من الجمهور، ووثوقه في ثروت جاء رغم عدم تجسيده لأدوار تراجيدية من قبل، وقوبل ترشيحه بالرفض بشدة، لكنه صمّم حتى تم التوافق عليه، وحقّق الممثل بالفعل نجاحا بفضل مجهوده وإلمامه بتفاصيل الدور وخروجه بشكل متقن.

واعتاد العدل اكتشاف قدرات تمثيلية غير دارجة للفنانين، وقبل سنوات قدّم هاني سلامة في مسلسل “الداعية” واعتبره البعض حينها اختيارا غريبا خصوصا أن سلامة معروف بأداء شخصية الشاب الوسيم، كما قدّم الفنانة زينة في مسلسل “لأعلى سعر” في دور امرأة شريرة للمرة الأولى.

وجاء التصوير كأحد عناصر قوة المسلسل، حيث جرى في مكان ضيق مغلق  وخلق تأثيرات نفسية للمشاهدين ليشعرهم بأنهم محتجزون مع الأبطال ويشاطرونهم الإحساس بالاختناق، وعزا المخرج ذلك إلى البروفات الكثيرة التي تمّت قبل التصوير والتي اختمرت نتائجها في ظهور المشاهد بصدقية واحتراف.

وصمّم فريق العمل مصعدا خاصا وأجروا قبل التصوير تجارب على الآلات والمعدات “بروفة كاميرا” لفحص الأحجام، وحينما شعروا بأن حجم التصميم كبير أعادوا بناء آخر أكثر ضيقا حتى لا يشعر الجمهور بأن هناك متّسعا في المصعد، ويتعايش مع الأبطال في احتجازهم بالمكان الضيق.

وأوضح المخرج المصري لـ”العرب” أن إدارة الفنانين والتصوير داخل حيّز ضيق امتحان عسير وصعب للغاية، فعدد مشاهد المصعد تقارب المئة مشهد ما جعلها تجربة شاقة، خاصة أنها جاءت بعد تجارب التصوير داخله 15 ساعة يوميا للتدريب على الحركة وكيفية الارتجال، بحيث يحافظ كل ممثل على أبعاد شخصيته وطريقتها في الحديث.

وتضمن العمل قدرا من النوستالجيا بشكل غير مباشر عبر إهدائه إلى الموسيقار بليغ حمدي وتسمية كل حلقة من حلقاته بإحدى أغنيات المُلحن الشهيرة مثل “احضنوا الأيام” و”مولاي إني ببابك” و”طاير يا هوا”، واختتمت بأغنية “فات الميعاد” بصوت أم كلثوم في الحلقة الأخيرة، كأنها تؤذن بالنهاية المأساوية، كما جرى عرض أجزاء من أغنياته ضمن الأحداث لتحّل محل الموسيقى التصويرية.

ولفت إلى أن تلك الطريقة هدفت إلى إضفاء روح الزمن الجميل على المسلسل وعرض القيمة الخاصة بكل أغنية وتطبيقها على الحلقة قدر الإمكان، فوجود بليغ حمدي وموسيقاه التصويرية في زمنه وأخلاق عصره يخلق حالة من التباين بين الماضي والحاضر، وثمة مشاهد يتضمنها المسلسل لا تحتوي أي موسيقى تصويرية، لكن المشهد نفسه يعتمد على أغنية لحمدي والتي تدور في الخلفية بصوت مطربها الأصلي كموسيقى تصويرية.

أحداث مُكثفة

لعل واحدة من مميزات “بين السما والأرض” تكمن في تقديمه في 15 حلقة فقط، وهي صيغة جديدة، لأن غالبية الأعمال طويلة ذات 30 حلقة، وهو ما جعله يخلو من المطّ، ويتضمن حكايات سريعة تتخلّلها الكثير من الأحداث المشوّقة بما لا يسمح بتسلّل الملل إلى المشاهدين.

ويحبّذ العدل فكرة المسلسلات القصيرة، فكلما تقلّص عدد الحلقات أُتيحت للمخرج والمؤلف قدرة أكبر على الإجادة، فمسلسلات الثلاثين حلقة تسبّب ضيقا في الوقت، وأحيانا يتم تصوير المشاهد على الهواء كي تلحق بالعرض اليومي، خاصة في رمضان، فلا تكون هناك فرصة للعمل بشكل جيد وقد يخرج بشكل غير لائق.

وارتبط عرض المسلسلات التي يخرجها العدل ونجاحه بشهر رمضان، لكنه لا يرى أن الموسم الرمضاني يشكّل فارقا بالنسبة إليه، فالفارق هو حصول العمل على حقّه في العرض في وقت مناسب يُتيح له مشاهدة جماهيرية، ويطالب بتعامل مختلف من القائمين على الدراما المصرية مع الأعمال غير الرمضانية التي يجري التعاطي معها على أنها مسلسلات درجة ثانية، فنجوم التمثيل والإخراج من فئة “السوبر ستار” لا يشاركون فيها ويحجمون عنها، في حين أن تواجدهم يُسهم في رواجها وازدهارها ويتيح سوقا للمسلسلات على مدار العام.

ولم تكن المرة الأولى التي يقوم فيها العدل بإخراج مسلسل مأخوذ عن فيلم قديم ومشهور، فقد قام بذلك من قبل عبر مسلسل “أرض النفاق” للفنان محمد هنيدي عن فيلم ومسلسل للفنان فؤاد المهندس بالعنوان ذاته.

وأكّد العدل في حواره مع “العرب” أن إعداد مسلسل “أرض النفاق” كان أحد أحلامه في الصغر، لكنه لم يخطّط له، واستكمل إخراجه عندما واجه زميله المخرج سامح عبدالعزيز أزمة عند بداية تصويره، لكن “بين السما والأرض” جاء بناء على تخطيط مسبق، ويجمع بينهما وضعه في مقارنة مع اثنين من أعظم مخرجي السينما المصرية صلاح أبوسيف وفطين عبدالوهاب.

ويعتبر بعض النقاد مسلسل “بين السما والأرض” حالة خاصة تظهر النضج الفني لمحمد العدل، فمسيرته الفنية ممتدة منذ عقد بداية من إخراج فيلم “الكبار” لعمرو سعد، ثم أعمال تلفزيونية من إنتاج عائلته “العدل جروب”، قبل أن يحقّق تجربة فريدة ونقلة مهنية بإخراجه المسلسل الكويتي “أم هارون” الذي عرض العام الماضي.

ولفت إلى أنه يحاول تطوير أدائه باستمرار، ومعالجة أي مشكلة أو قصور وإصلاح الأخطاء، وحين ينتقي مشروعا يعمل عليه بشغف ليطرح قضايا وأفكار جديدة.

وأخرج محمد العدل، الشهير بـ”ماندو”، 11 عملا على مدار مسيرته الفنية، منها فيلم واحد من إنتاج عائلته وثمانية مسلسلات نصفها من إنتاج شركات أخرى، ولا تعنيه جهة الإنتاج لكن ما يشغله هو نجاح العمل، مدللا على ذلك بالفيلم الجديد الذي يعمل عليه حاليا بعنوان “شكوكو” الذي يدور في إطار اجتماعي ويتولى إنتاجه أحمد السبكي.

واستطاع مسلسل “بين السما والأرض” جذب الأنظار مع عرضه الأول، مخالفا التوقعات ليثبت أن الجمهور عادة ما يفتّش عن العمل الجيد، وسط الكم الكبير من الأعمال المعروضة، ويؤكّد أن الدراما ليست في زيادة عدد الحلقات وكمية الحركة والاشتباكات، ولكن بالفكرة والأداء الجيدين.

16