بين السينما والتلفزيون: صراع وجود

الأحد 2018/01/07
لقطة من فيلم "وحوش بلا أمة" أحد أفلام نيتفليكس

كان كل السينمائيين الكبار يرفضون التعامل مع شبكة "نيتفليكس" التلفزيونية الأميركية. والآن أصبح الجميع يرحبون ويتسابقون على العمل مع نيتفليكس.

كانت مهرجانات السينما الكبرى في العالم التي تتمتع بسمعة دولية مثل كان وفينيسيا وبرلين، ترفض عرض أفلام مصورة ومصنوعة أصلا للعرض من خلال الشبكات التلفزيونية المغلقة مثل نيتفليكس.

ولكنها الآن تتسابق من أجل الحصول على أحدث الأفلام التي أنتجتها هذه الشبكة وغيرها من الشبكات الكبرى مثل أمازون التي أصبحت بدورها منافسا قويا لنيتفليكس، وأصبحت الاثنتان منافستين قويتين لشركات هوليوود العريقة.

ما الذي تغير؟ وكيف كان ممكنا أن يحدث ما حدث؟ وهل تساهم شبكات التلفزيون في إنقاذ صناعة السينما، أم أنها تستقطب النجوم بالإغراءات المادية الكبيرة خارج هوليوود، وبالتالي تقضي تدريجيا على الصناعة أو تصنع احتكارا جديدا ليس من السهل تحجيمه، ومن ثم يصبح بمقدورها التحكم في السوق وفي تشكيل أذواق الجمهور؟

جمهور نيتفليكس وحدها أصبح يتجاوز اليوم أربعين مليون مشترك. وقد نجحت الشبكة خلال السنوات الثلاث الماضية في إنتاج عدد من الأفلام الجيدة التي أثارت اهتمام الملايين. من هذه الأفلام “ساحر الأكايب”، و”وحوش بلا أمة”، و”في البداية قتلوا أبي”، و”أوكجا”، و”قصص ميروفتيش”، و”قلعة الرمال” و”أرواحنا في الليل”، وغيرها.

وإضافة إلى الأفلام الروائية الطويلة التي قام ببطولتها عدد كبير من نجوم هوليوود الكبار أمثال جين فوندا وروبرت ريدفورد وإدريس ألبا وبراد بيت وبيل وراي وتيلدا سوينتون وروبرت دي نيرو، أنتجت نيتفليكس العشرات من الأفلام التسجيلية المثيرة.

نجحت شبكة نيتفليكس أيضا في شراء حقوق عرض المئات من الأفلام، منها أعمال كلاسيكية قديمة من إخراج مخرجين من بلدان وثقافات مختلفة مثل “الملكة الأفريقية” لجون هيستون، و”بابادوك” لجنيفر كنت، و”القاتل” لهو هتسياو هتيسين، و”الغريزة الأساسية” لبول فيرهوفن، و”الأزرق أفضل الألوان” لعبداللطيف كشيش، و”إحرق بعد القراءة” للأخوين كوين، و”الصبا” لريتشارد لينكلاتر، وغير ذلك.

في العالم العربي لدينا اليوم عشرات القنوات التي تعرض الأفلام. لكن هذه القنوات تستهلك الفيلم السينمائي دون ان تساهم في انتاجه، أي أنها تنتظر الى أن ينتهي إنتاج الفيلم دون أن تتحمل أي نوع من المغامرة أو المخاطرة، ثم تشتري حقوق عرضه على شاشتها بأقل التكاليف

السؤال المطروح في الأوساط السينمائية حاليا هو: هل من الممكن أن تتجه نيتفليكس وأمازون وغيرهما، إلى المشاركة مع هوليوود في الإنتاج مقابل الحصول على حقوق العرض على الشبكة بعد انتهاء العروض الأولى للفيلم في دور العرض، وبالتالي يمكن أن يصبح هذا “الزواج” بين الإنتاج السينمائي والإنتاج التلفزيوني، زواجا مباركا من الجميع؟

حتى الآن يبدو أن السينما هي التي تزود نيتفليكس وأمازون بالحصيلة الجيدة من الأفلام التي تكتسب بها المزيد من المشتركين عبر العالم، وليس العكس، غير أن الأمر ليس من الممكن أن يستمر على هذا المنوال.

ولكن ما قصة المنافسة بين السينما والتلفزيون؟ كيف بدأت؟ وما الذي حدث بالضبط بعد ظهور هذا “الغول” الشرس الذي سرق جمهور المنازل من دور السينما في المدن؟

البدايات المرة

تأثرت السينما كفن شعبي في العالم كله تأثرا كبيرا بانتشار التلفزيون، خاصة بعد طغيان التلفزيون الملون في العالم منذ أوائل السبعينات.

والملاحظ أن التلفزيون لجأ إلى دخول معترك المنافسة الشديدة مع السينما منذ ظهوره الأول في الأربعينات في الولايات المتحدة وبريطانيا، فقد لجأ التلفزيون إلى عرض الأفلام الروائية الطويلة والأفلام التسجيلية التي تنتجها الشركات السينمائية بعد مرور فترة من عرضها التجاري بدور السينما، إضافة إلى إنتاج الأفلام التلفزيونية والمسلسلات التي ترصد لها شركات التلفزيون ميزانيات مضمونة الاسترداد بحكم إحكام قبضتها على العشرات من المحطات المحلية إلى جانب البيع لمحطات التلفزيون في دول العالم.

في عام 1946، وصلت أرقام تردد المشاهدين على دور السينما إلى ذروتها في معظم الدول الغربية، ثم بدأت في الهبوط منذ ذلك التاريخ. وبحلول عام 1953، عندما أصبح نصف عدد الأسر الأميركية تقريبا يمتلك أجهزة للتلفزيون، انخفض معدل تردد المشاهدين على دور السينما إلى نصف ما كان عليه قبل عام واحد تقريبا. وفي بريطانيا وإذا ما لجأنا إلى الإحصائيات، نجد أن عدد تذاكر السينما المبيعة في عام 1952 بلغ مليارا و312 مليون تذكرة. أما في عام 2016 فقد وصل العدد إلى 168 مليون تذكرة فقط.

ومن الطبيعي أن التلفزيون أصبح منافسا شديد البأس للسينما طالما أنه يوفر للمشاهدين متعة المشاهدة الرخيصة داخل البيوت، دون تحمل مشاق الانتقال والنفقات الباهظة التي تقتضيها عملية الذهاب إلى السينما اليوم مع الارتفاع الكبير في أسعار التذاكر.

رصدت نيتفليكس ميزانية ضخمة لإنتاج فيلم "أوكجا"

ويرى بعض المحللين وخبراء الصناعة أن التناقص في أعداد جمهور السينما كان قد بدأ قبل أن يبدأ غزو التلفزيون الأسواق الأميركية الكبرى، وأن التلفزيون ساهم فقط في تعميق الأزمة.

وهم لا يقدمون تفسيرا مقنعا لتدهور السينما جماهيريا، ولكنهم يقولون إن السينما كانت بالفعل قد بدأت تفقد هيمنتها الثقافية مع بداية الخمسينات، ويرون أن رد فعل صناعة السينما على ذلك التدهور جاء عن طريق صنع أفلام أضخم وأكثر تكلفة وإبهارا لكي تستعيد جمهورها مجددا، كذلك اللجوء إلى استخدام الشاشة العريضة (سكوب) أو الفيلم المجسم ذي الأبعاد الثلاثة، ثم السينيراما، أي الشاشة المقوسة التي تملأ الأفق أمامك داخل دار العرض.

أما الوسيلة التي لجأت إليها شركات الإنتاج السينمائي للتغلب على المشكلة وعمقت من حدة الأزمة، فكانت غزو التلفزيون عن طريق إنتاج الأفلام لحسابه، وتسخير المواهب المعروفة من النجوم المشهورين والمخرجين اللامعين، للعمل في التلفزيون.

مع الازدياد الكبير في تكاليف صنع الأفلام السينمائية في الوقت الذي تضخمت فيه الأجور، وجد السينمائيون أنفسهم في مأزق، هل يمكنهم الانتظار لوقت قد يصل إلى سنوات لتحقيق مشروعات أفلامهم التي تنتظر التمويل، أم يلجأون من البداية إلى تقديم مشروعاتهم للتلفزيون؟ وقد ظل الحل الثاني يمثل دائما إغراء لا يقاوم.

فإذا عرفنا أن أجر المخرج أو كاتب السيناريو عن مسلسل تلفزيوني يبلغ أضعاف ما يحصل عليه من العمل في فيلم سينمائي، نستطيع أن ندرك مدى تأثير التلفزيون على السينما، بل الأغرب من هذا، أن الكثير من المخرجين والممثلين اللامعين في العالم، أصبحوا يلجأون اليوم إلى صنع أفلام الإعلانات التجارية التي يعرضها التلفزيون للترويج للسلع الاستهلاكية المختلفة، كوسيلة للحصول على دخل جيد مضمون في فترة زمنية وجيزة!

الصراع بين السينما والتلفزيون، أو بين مشاهدة الفيلم في دور العرض السينمائي أو على شاشة التلفزيون، ازداد شراسة بعد ظهور وانتشار شرائط "الفيديو" في أوائل الثمانينات، الذي كان يوفر للمشاهدين إمكانية استئجار كل ما يريدون من أفلام بأسعار زهيدة لمشاهدتها داخل البيوت.

الصراع بين السينما والتلفزيون، أو بين مشاهدة الفيلم في دور العرض السينمائي أو على شاشة التلفزيون، ازداد شراسة بعد ظهور وانتشار شرائط "الفيديو" في أوائل الثمانينات

ومن المؤكد أن القاعدة التي تقول "لو لم يكن التلفزيون ما كان الفيديو" هي قاعدة صحيحة تماما. وهناك توابع أخرى للفيديو والتلفزيون، منها نظام البث بالكابل الذي يتيح مشاهدة قنوات خاصة طوال 24 ساعة، ونظام البث بالأقمار الصناعية الذي يوفر للمشاهدين الآن العشرات من المحطات المتخصصة، ومنها ما يقتصر فقط على عرض الأفلام السينمائية الروائية.

لكن الفيديو انتقل إلى مرحلة جديدة أكثر شراسة مع ظهور الأسطوانات المدمجة (دي في دي) التي قدمت صورة أكثر نقاء للفيلم محفوظا على شكل خطوط إلكترونية رقمية، أعقبه ظهور البلو راي أي الأسطوانات التي يتم تخزين الفيلم عليها بالأشعة الزرقاء أي بتقنية أكثر صلابة من الأسطوانات المدمجة التقليدية، بحيث يصبح الفيلم ليس فقط أكثر وضوحا ونقاء في الصور والألوان بل يطول عمره الافتراضي كثيرا بحيث يمكنه البقاء لمئة سنة دون أن تتحلل الأسطوانة المخزن عليها بتقنية البلو راي.

في العالم العربي

في العالم العربي تسبب طغيان التلفزيون وتوابعه وسهولة تقليد وتزييف الأسطوانات المدمجة التي أصبحت تباع على أرصفة العواصم العربية، مع انتشار العشرات من القنوات التلفزيونية التي تبث الأفلام، ثم، وهذا هو الأخطر، قرصنة المواقع الإلكترونية الأفلام العربية والأجنبية، في إغلاق أعداد كبيرة من دور العرض السينمائي إلى درجة أن بعض المدن العربية التي اشتهرت بدور العرض الكثيرة التي كانت تتوفر لها مثل تونس والجزائر العاصمة والإسكندرية المصرية، أصبحت تعاني من ندرة قاعات السينما.

أما في مدينة القاهرة وحدها فهناك نحو 36 دارا للعرض مغلقة حاليا دون أن يتم هدمها، إما نتيجة إهمال أصحابها أو صراع الورثة على الملكية وعدم قناعتهم أصلا بالمحافظة على هذا النشاط، أو نتيجة قلة الدخل الذي يأتي من عرض الأفلام مقارنة بما يمكن أن يحصل عليه مالك الدار في حال قام بهدمها وبيع الأرض التي كانت مقامة عليها في أماكن حيوية في المدينة لتشييد أبراج سكنية وإدارية مكانها.

استقطبت نيتفليكس مشاهير النجوم مثل البريطانية تيلدا سوينتون

أصبح التلفزيون أيضا يستهلك الكثير من الأفلام العربية دون أن يغامر بالدخول كطرف في الإنتاج كما تفعل قنوات التلفزيون في فرنسا وألمانيا وإيطاليا على سبيل المثال، فقد أصبح من المتعذر كثيرا في الوقت الحالي إنتاج أفلام ذات نوعية جيدة في تلك البلدان، دون مساهمة التلفزيون، كما اختفى بشكل شبه تام ما كان يعرف بـ"الفيلم التلفزيوني" الذي كان يعرض خلال السهرة، ويتناول عادة مواضيع اجتماعية تهم المشاهدين في المنازل.

ولا شك أن هذا النوع من الأفلام التي كانت تصور بتقنية السينما كان يتيح الفرصة أمام الكثير من المخرجين والسينمائيين الشباب للعمل، ومع تراجع الميزانيات المخصصة للإنتاج “السينمائي” لحساب قنوات التلفزيون، اختفى هذا النوع المتميز من “أفلام التلفزيون”، خاصة بعد أن أصبح “المسلسل” أكثر جماهيرية، وبوجه خاص المسلسل الطويل الذي يصل إلى 30 حلقة أو أكثر، مع إهمال المسلسلات القصيرة التي لا تتجاوز ست أو ثماني حلقات، كذلك اختفاء المسلسلات ذات الحلقات المستقلة التي يتناول كل منها موضوعا مختلفا ولكن في إطار رؤية ما لكل من المخرج والمؤلف.

ومع الارتفاع الكبير المبالغ فيه في أجور السينمائيين والممثلين، زادت معاناة السينما وتفاقمت، وانخفض الإنتاج، وقل عدد الأفلام، وتضاءل ظهور مواهب جديدة في التمثيل اعتقادا بأنها لن تجلب النجاح التجاري لمنتجي الأفلام.

في العالم العربي لدينا اليوم العشرات من القنوات التي تعرض الأفلام. لكن هذه القنوات تستهلك الفيلم السينمائي دون أن تساهم في إنتاجه، أي أنها تنتظر إلى أن ينتهي إنتاج الفيلم دون أن تتحمل أي نوع من المغامرة أو المخاطرة، ثم تشتري حقوق عرضه على شاشتها بأقل التكاليف.

ولذلك لا تعرض معظم هذه القنوات أفلاما جديدة بل تتعيش على القديم الذي انتهت مدة عرضه في دور السينما منذ سنوات، وتقبل أكثر على عرض الأفلام الأجنبية ومعظمها أفلام أميركية، كما أنها لا ترحب بالدخول طرفا في الإنتاج من البداية، وبالتالي تضمحل وتموت صناعة السينما تدريجيا ويهاجر صناعها من السينمائيين العرب إلى أوروبا بحثا عن التمويل الأوروبي الذي غالبا ما يأتي من شبكات التلفزيون الأوروبية وبعض المؤسسات الداعمة للسينما الأخرى في إطار اهتمامها بالتمثيل الثقافي للمهاجرين.

رغم هذا الوضع الصعب تظهر يوما بعد يوم العشرات من الأفلام التي يصنعها مخرجون من الشباب الذين يغامرون بصنع أفلامهم بميزانيات تقترب من الصفر، باستخدام التقنيات المتقدمة التي تسمح لهم بتصوير ومونتاج أفلامهم بأيديهم في منازلهم، ولكن تبقى هذه الأفلام حبيسة دائرة المهرجانات وتعاني من التجاهل الإعلامي والغياب التام عن السوق، بل إن “السوق” نفسها أصبحت مسألة مشكوكا في وجودها!

ناقد سينمائي من مصر

15