بين الشعر والغناء.. تاريخ حافل ومستقبل واعد

تلحين القصائد الغنائية يحتاج إلى مواهب فذة ورؤية موسيقية ثاقبة.
الأحد 2021/01/24
الموسيقى والشعر مزيج فني خالد (لوحة للفنان تحسين الزيدي)

تراجعت القصيدة العربية الفصحى المغنّاة، وعادت أغلب الأغاني إلى اللهجات المحكية، بل وتخلى بعضها حتى عن جماليات اللهجات، وصار الكلام المغنّى يلقى على عواهنه. وقد يرى البعض أن الإشكالية تكمن في القصيدة الفصحى نفسها، حيث لم تتطور لتواكب التطور الموسيقي وتغير الأذواق والمبادئ والانفتاح على ما هو عالمي، إضافة إلى عصر السرعة والاستهلاك والتذبذب، وهو ما لم تقدر ربما القصيدة على مجاراته. بينما يرى آخرون أن الإشكال لا يكمن في قلة جمهور القصائد المغناة أو في شعرائها وإنما في الموسيقيين أنفسهم، حيث ما عادت لهم قدرة على تأليف ألحان للقصائد. بين هذا وذاك يبقى المولعون بالكلمة والنغم على أمل لاستعادة اللقاء الخلاق بين الشعر والموسيقى.

ظهرت العديد من برامج المسابقات الغنائية خلال السنوات الأخيرة، على غرار “أحلى صوت” و”أراب أيدول”، واكتسبَت شهرة واسعة وجماهيرية ربما فاقت التوقعات. برامج تضُمُّ لجانُ تحكيمها نجومَ الغناء العربي، وتُقدِّم عروضا مباشرة يتفاعل معها الجمهور على الهواء، بالتصويت المباشر أو الرسائل النصيَّة، وأحيانا بالدعاء لصالح هذا المتسابق أو ذاك.

على الجهة المقابلة، ظهر برنامج المسابقات الشعرية “أمير الشعراء”، واستُقبِل بحفاوة وحماس من جمهور الشعر العربي الفصيح، وبدأت لجنة تحكيمه عملها تمهيدا للموسم التاسع للمسابقة المرموقة ذات الجوائز المالية الكبيرة.

ثمة تشابه كبير في شكل التنافس هنا وهناك، من حيث لجان التحكيم المتخصصة والعروض المباشرة والتفاعل مع المتابعين من داخل المسرح وأمام الشاشات.

مع ذلك، هناك فارق كبير من حيث الجماهيرية بين الغناء والشعر، فيما توجد مساحة مشتركة وهامة بين الفريقين؛ أعني مساحة غناء الأشعار العربية الفصيحة، التي صنعها العديد من أعلام الغناء والشعر عبر التاريخ، وملأها جمهور عريض خلال أزمنة شتى، ولا تزال الفرصة متاحة لاستعادة مكانة القصيدة المغنّاة، إذ إنها الجسر الذي يربط القاعدة العريضة من الجمهور بالشعر العربي الفصيح.

بين العامية والفصحى

 لو تأمَّلنا الحياة باعتبارها فيلما سينمائيّا يدور بلا نهاية، لكانت الأغاني موسيقاه التصويرية، إذ تمضي بصُحبة الناس بين مشهدٍ وآخر، فتُشاركهم لحظاتهم، وترسم خلفيّات لأحداثهم الهامة والعابرة، باثَّة فيها إيقاعَ الحياة.

ويبدو أن الأصل في نَظْم الأغاني أن تكون باللغة الـمَحكيَّة التي يتكلَّمها الناس، وهي الأقرب إلى تفاصيل حياتهم والأقدر على عكْس مشاعرهم والتَّماسِّ مع عواطفهم، ما يُطلق عليه “الغناء الشعبي”، ونجد نماذج منه شديدة التنوع في أغاني المزارعين بالحقول، والمحتفِلين في الأعراس، والصيادين فوق مراكب الصيد، والبنائين على السقالات، والحداة في الصحاري؛ طوائف شتى تتداخل وتُشكِّل القاعدة العريضة المسماة بجمهور الغناء.

أسباب تراجع إنتاج القصائد الغنائية منها ما هو عام، كخفوت القومية العربية، ومنها ما يخص الفنانين أنفسهم

كان الغناء بالعربية الفصيحة شائعا في شبه الجزيرة العربية فحسب، أما في الرُّقعة الجغرافية الشاسعة التي امتدَّ إليها الحُكم الإسلامي، فقد ظلَّت اللهجات العامية والقوالب الشعبية هي الأساس في الأغاني، فيما اقتصر الغناء بالعربية الفصيحة على حياة القصور.

ومما رواه الشاعر أبوالعتاهية عن الخليفة العباسي هارون الرشيد، أنه كان يُعجَب بغناء الملّاحين حين يركب البحر بصحبتهم، لكنه يتأذّى من فساد كلامهم ومن لهجاتهم، لذا أمر بأن يؤتَى بالشعراء حتى يعلموهم شعرا فصيحا يتغنَّون به.

وقديما كانت موشَّحات أهل الأندلس تُغنّى باللهجات العامية، ثم صارَت تُنظَم بالفصحى مع استثناء آخر فقرة من الموشَّح (الخَرجة)، وكان يُنظَم وحده بالعامية الأندلسية.

لذلك يمكن القول، إن الغناء الفصيح مرَّ بمراحل من التكيُّف والتمدُّد، في البقاع التي بسطَت عليها دولةُ الإسلام هيمنتها مع توالي القرون، مُقتصِرا مع كل توسُّع جديد على حياة القصور والنُّخَب الحاكمة، ثم منتشرا لدى العامة ومُخالِطا لهجاتهم المحلية.

 التعليم والإذاعة

 كان لانتشار التعليم وانطلاق الإذاعة فضلٌ في التآلُف بين شريحة أكبر من جمهور المستمعين في الوطن العربي، وبين القصائد المغنّاة بالفصحى، خلال النصف الأول من القرن العشرين، وقبل ذلك كان لونُ القصيدة يقتصر على الإنشاد الديني وغناء الموشَّحات والأدوار في بيوت الوُجهاء.

مع انتشار الراديو وشدْو أصوات في براعة أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب عبر أثير الإذاعة، بقصائد للشاعر أحمد شوقي والأخطل الصغير وأحمد رامي وإيليا أبي ماضي، انتقل الغناء بالفصحى إلى مرحلة جديدة من الشعبية والانتشار وصلَت به إلى آذان الناس في القرى والنجوع، بل وفي الأقطار العربية المختلفة، على غير المعهود بمصر، في زمن عبده الحامولي وسلامة حجازي وعبدالحي حلمي.

تلحين القصائد لا يقدر عليه إلا أصحاب المواهب الفذة والرؤية الموسيقية النافذة أما غناؤها فيحتاج إلى صوت مقتدر

لم ينَل عبدالوهاب أو أم كلثوم حظّا يُذكَر من التعليم النظامي الذي ساهم في شعبية القصيدة، مع ذلك اكتسبا ذائقة ومعرفة عميقة بالشعر، على يدَي شاعرَين مرموقَين هما أمير الشعراء أحمد شوقي وشاعر الشباب أحمد رامي.

ولهذين الشاعرَين فضل كبير في صقل الموهبتَين الفذَّتَين، وأثر بالغ في إكسابهما حسّا شِعريّا وأرقا وجوديّا ساعد على رسم مسارهما الفني، إذ تعلَّما كيف يختاران القصائد وينتقيان الأبيات والموضوعات التي تُقدم للجمهور ويُعبِّران عنها لحنا وغناء.

هناك ثنائيات فريدة عبَّدَت الطريق للقصيدة المغنّاة كي تصل إلى أسماع القاعدة العريضة من الجمهور وتسكن قلوبَهم، قد يكون للتذكير بها فائدة جمّة لو أردنا إحياء هذا اللون الغنائي.

نذكُر بداية الثنائي المكوَّن من أم كلثوم ورياض السنباطي، الذي قدَّم للجمهور العربي قائمة طويلة ومتنوعة من القصائد المغنّاة، فبرغم القصائد العديدة التي تغنَّت بها أم كلثوم من ألحان أبوالعلا محمد ومحمد القصبجي ومحمد الموجي وعبدالوهاب، إلا أن تجربتها الممتدة والثرية مع رياض السنباطي أضافَت العديد من النجوم الوضاءة إلى سماء القصيدة العربية، منها ما شدَت به من أشعار شوقي “سلوا قلبي” و”سلوا كؤوس الطلا” و”نهج البردة” و”وُلِد الهدى”، ومن أشعار رامي “ذكريات” و”أقبل الليل” و”أغار من نسمة الجنوب”.

شكَّل عبدالوهاب ثنائيّا فريدا مع شاعرَين فذَّين خلال مرحلته الأولى شديدة الثراء، إذ قدَّم من أشعار شوقي قائمة طويلة من أبدع ألحانه، منها “يا جارة الوادي” و”رُدَّت الروح” و”سجى الليل” و”جبل التوباد” و”مضناك جفاه مرقده”.

وشكَّل أيضا ثنائيّا موازيا مع أمير الشعراء التالي، وهو الشاعر اللبناني بشارة الخوري، الملقَّب بالأخطل الصغير، فقدَّما معا قصائد في عبقرية “جفنه علَّم الغزل” و”الصبا والجمال” و”الهوى والشباب”، و”يا ورد من يشتريك” التي نظَمَها الأخطل بالفصحى وغناها عبدالوهاب بالعامية في سابقة لم تتكرر ثانية.

 تنويعات هامة

محمود درويش وأحمد رامي وأحمد شوقي وكامل الشناوي ونزار قباني صنعوا مجد القصائد المغناة
محمود درويش وأحمد رامي وأحمد شوقي وكامل الشناوي ونزار قباني صنعوا مجد القصائد المغناة

 بعيدا عن الثنائيات، صارت القصائد المغنّاة بالفصحى ساحة تنافسية هامة بين المطربين العرب، وتراكمَت مع السنوات أعمال صنعت في مجملها تراثا كبيرا ومشتركا يضم أبناء اللغة الواحدة والتجربة ذات الوجوه المتشابهة، منها أعمال صادفَت نجاحا جماهيريّا يؤهّلها للبقاء طويلا في ذاكرة الغناء العربي.

وقدَّم فريد الأطرش مجموعة من أجمل القصائد وأكثرها تنوُّعا، أبرزها “يا زهرة في خيالي” و”عُدتَ يا يوم مولدي”، ومن أشعار الأخطل الصغير “أضنيتني بالهجر” و”عِش أنت”، وتغنّى عبدالحليم حافظ بقائمة طويلة، أجملها “سمراء” و”لستَ قلبي” و”حبيبها”، وكذلك العلامتان البارزتان في مشواره “رسالة من تحت الماء” و”قارئة الفنجان”، من أشعار نزار قباني وألحان محمد الموجي.

حفِل مشوار فيروز بتجارب هامة في غناء القصائد، تنوَّعَت بين الأغاني الوطنية والعاطفية وحتى الفلسفية، منها رائعة نجيب حنكش وجبران خليل جبران “أعطِني الناي وغني”، ومن ألحان عبدالوهاب “مُرَّ بي” و”سكن الليل” و”يا جارة الوادي”، والكثير بطبيعة الحال من ألحان الأخوين رحباني، منها “زهرة المدائن” و”يبكي ويضحك” و”خذني بعينيك”.

مثلما صنَع الإسلام مكوِّنا أساسيّا في الثقافة العربية، ربط بين الشعوب العربية بثقافاتهم المتنوعة، مارسَت القضايا العربية دورا مشابها في توحيد الشعوب خلف همٍّ مشترَك، وجعلَت من توظيف اللغة العربية الفصحى في نَظْم الأغاني التي تتناول هذه القضايا أمرا طبيعيّا، بل وضروريّا، فقدَّم عبدالوهاب “أخي جاوَز الظالمون المدى”، واشترك مع أم كلثوم في غناء “أصبح عندي الآن بندقية”.

أفرزَت مرحلة ما بعد النكسة في يونيو 1967 (هزيمة مصر في حربها مع إسرائيل) وتفاقم الغلَيان الناجم عن القضية الفلسطينية، تجارب هامة في غناء القصائد الوطنية بتنويعاتها المختلفة، منها ما قدَّمَته فيروز وتوَّجَته برائعتها “زهرة المدائن”، ومنها ما ساهم به الموسيقي اللبناني مارسيل خليفة، الذي لحَّن وغنّى عددا من قصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش، مثل “ريتا والبندقية” و”جواز سفر” و”أنا يوسف يا أبي”.

قوالب جديدة

 في ثمانينات القرن الماضي، قام الموسيقار محمد عبدالوهاب بتحديث قالب قصيدةٍ قدَّمها قبل نحو نصف قرن، حين استرعى انتباهه صوتُ المطربة المغربية سُمية القيصر، فقرَّر أن يُقدِّمه إلى الجمهور العربي في ثوب فاخر يليق به، فأعاد تلحين قصيدة شوقي “منك يا هاجر دائي”، وألبسَها ثوبا أكثر حداثة ورِقَّة يُناسب صوتَ سُمية وطبيعة الجمهور المعاصر.

الشاهد هنا أن تلحين القصائد لا يقدر عليه إلا أصحاب المواهب الفذة والرؤية الموسيقية النافذة والثاقبة، كما أن غناءها يحتاج إلى صوت مقتدر وحساس يمتاز بمخارج ألفاظ سليمة، وفهم عميق للصور الشعرية وأدوات التعبير.

الغناء الفصيح مرّ بمراحل من التكيّف والتمدّد، حيث كان يبدأ من القصور والنُّخب الحاكمة ثم ينتشر لدى العامة

لذلك برع في تلحين القصائد من المعاصرين موسيقيّون في قيمة كاظم الساهر وإحسان المنذر ومروان خوري، وفي غنائها مطربون في براعة ماجدة الرومي والساهر وحسين الجسمي، وجميعهم يمتلك الموهبة والمعرفة والثقافة اللازمة لأداء هذا اللون الغنائي.

توجد أسباب لتراجع إنتاج القصائد الغنائية يمكن استنتاجها من جميع ما سبق؛ منها ما هو عام، مثل خفوت نبرة القومية العربية وانشغال كل بلد بقضاياه الداخلية، ومنها ما يخص صُنّاع الفن أنفسهم، من تراجع دور الشعراء في قيادة الحراك الثقافي، وعزوفهم عن صقل المواهب الغنائية وتثقيفها، وأيضا نُدرة الموسيقيين أصحاب الرؤية الفنية والقدرة على تجديد القوالب الغنائية.

تبقى أمامنا فرص يمكن استثمارها لضخ دماء جديدة في جسد القصيدة الغنائية، كأن نُمازج بين مسابقات الأصوات الغنائية ومسابقات المواهب الشعرية، فتنتج مثلا قصائد مختارة للشعراء الفائزين، في شكل أغانٍ يقوم بتلحينها صفوة الموسيقيين، وبغنائها النجوم الفائزون في مسابقات الأصوات، بحيث يلتئم بالتدريج جمهور المتابعين هنا وهناك.

ويمكن تعزيز الاهتمام بأداء القصائد الفصيحة بين المتسابقين في برامج الغناء، عن طريق تخصيص مقاعد في الفرق المتسابقة لمن يجيدون هذا اللون الغنائي.

الغاية أن نُعيد الحياة إلى هذا الفن الأصيل، ما من شأنه أن يعزِّز اهتمام الجمهور بالشعر الفصيح، مثلما كانت الحال في الماضي القريب، ولنا أسوة بشعراء كبار حققوا شُهرة وجماهيرية تفوقان ما لدى نظرائهم في هذا المجال بفضل أصوات غنائية تغنَّت بأشعارهم، فثمة شرائح من الجماهير ما كانت لتشتري دواوين نزار قباني وكامل الشناوي ومحمود درويش، وأحمد شوقي والأخطل الصغير، لولا الأغاني التي سطّرت أسماءهم في الذاكرة الجمعية للجمهور العربي.

11