بين العلم والخرافة

الثلاثاء 2015/04/21

تجتاح العالمَ في السنوات الأخيرة موجةٌ من القصص والروايات تحوم حول الأساطير والخرافات، أبطالها مخلوقات غريبة، أو رجال ونساء لهم طاقات عجيبة يتحدّون بواسطتها قوى الظلام، لإحلال قيم العدل والحرية، في سلسلة من المغامرات تذكّرنا بأبطال ألف ليلة وليلة.

وقد حظيت سلسلة أفلام هاري بوتر، الفتى الساحر، وسيّد الخواتم، الطاغوت الذي يريد السيطرة على العالم، على سبيل المثال، بإقبال جماهيريّ قلّ نظيره، جعل النقّاد يقفون مذهولين أمام انتشار هذه الظاهرة في مجتمعات متقدمة علميا، متطورة ثقافيا، تبدع في كل يوم طالع من الآلات التكنولوجية ما لا يخطر ببال. والسؤال: كيف تنجذب تلك المجتمعات إلى الخرافة، وتجد متعة في التعلق بمخلوقات تعلم أنها أبعد ما يكون عن الواقع؟

إذا كانت نشأة الأساطير ناجمة عن رغبة الإنسان القديم في إيجاد محاولات لتفسير المشكلات الطبيعية المعقّدة، كخَلْق الكون، وخلق الإنسان، وخلق الكائنات الحية، ودَوَران الأجرام، وتعاقب الليل والنهار، والخسوف والكسوف، وفورة العناصر في شكل زلازل وأعاصير وفيضانات، مستعينا في ذلك بالسحر والتنجيم، فإن اللّجوء إليها في هذا العصر المتطوّر الذي بلغ فيه العلم درجة لم يسبق لها مثيل هو ما يشغل الباحثين.

منهم من يرى أنها مجرّد عودة إلى الجذور، ومنهم من يعتقد أن العلم بنزوعه إلى تفسير كلّ شيء، ألغى طاقة الإنسان على التخيّل، فكانت العودة إلى الخرافات والأساطير بمثابة إحياء طاقة الإنسان على الحلم والخيال. فيما آخَرون يفسّرون ذلك بأن الإنسان لم يقنع بالاكتشافات والاختراعات، وما زال حائرا أمام ظواهر الكون العجيبة، وما زالت هواجسه تدفعه إلى البحث عمّا يطفـئ تلك الحيرة، إزاء الغموض الملتبس الذي يغلّف آفاقه.

أما أرثر كلارك، العالم الذي يبسط نظرياته من خلال روايات الخيال العلمي، فيؤكد أننا نقف اليوم مشدوهين أمام نظريات علمية أشبه بالسحر، لأننا نفتقر إلى إدراك كلّيّ شامل، فنعوذ من عجائب الإنجازات العلمية بالأديان والعجيب والغريب وحتى بطرق الفرق الباطنية.

وهو ما لا يخالفه فيه برايان غرين، أبرز الساعين إلى تعميم المفاهيم العلمية المتلاحقة. في مقدمة كتابه “سحر الكون” كتب يقول “إن اكتشافات المئة عام الأخيرة في الفيزياء تدفعنا إلى إعادة تصورنا اليومي للواقع، بكيفية أشدّ إثارة وحيرة من أكثر الروايات العلمية تخييلا. صحيح أن رواية الخيال العلمي يمكن أن تخلق واقعا غريبا وغير مألوف، ولكن الاكتشافات الأخيرة في الفيزياء تفوقها إبهارا وغرابة”.

كاتب من تونس مقيم في باريس

15