بين الغوطة السورية وسربرينيتشا البوسنية.. التاريخ يعيد نفسه

الأربعاء 2013/10/23
جثامين لسوريين من أهالي الغوطة لقوا حتفهم إثر هجوم بالكيميائي

انتشرت في الذكرى العشرين لحرب البوسنة، قطعة خبرية تتحدث عن مذيعة قناة "سي إن إن" الأميركية الشهيرة، كريستيان أمانبور، وهي تتحدث مع مراسل القناة عن حرب البوسنة وذكراها ويتبادلان تشبيه ما يحدث في سوريا اليوم من مجازر وانتهاكات وتدمير بما حدث في البوسنة.

كان المشهد كالتالي: "في الذكرى العشرين لحرب الإبادة التي شنّها الصرب على مسلمي البوسنة وراح ضحيتها 300 ألف بوسني مسلم واغتصبت فيها 60 ألف امرأة وطفلة وهجّر مليون ونصف المليون، يتحدث مذيع "سي إن إن" عن ذكرى المجازر البوسنية ويسأل أمانبور: هل يمكن مقارنة البوسنة بسوريا؟ هل التاريخ يعيد نفسه؟

كريستيانا أمانبور تعلق على ذكرى البوسنة: "كانت حربا قروسطية، قتل وحصار وتجويع وكانت أوروبا وقتها قد رفضت التدخل. فاستمرت الهولوكوست نحو 4 سنوات هدم الصرب فيها أكثر من 800 مسجد بعضها يعود بناؤه إلى القرن السادس عشر الميلادي، وأحرقوا مكتبة سراييفو التاريخية، ونشرت الغارديان البريطانية، أيام المجازر البوسنية، خريطة على صفحة كاملة تظهر مواقع معسكرات اغتصاب النساء البوسنيات، 17 معسكرا ضخما بعضها داخل صربيا نفسها، وقد اغتصب الصرب الأطفال، طفلة عمرها 4 سنوات والدم يجري من بين ساقيها، نشرت عنها الغارديان تقريرا بعنوان: الطفلة التي ذنبها أنها مسلمة. وأثناء حصار سربرنيتشا كان الجنود الدوليون يسهرون مع الصرب ويرقصون وكان بعضهم يساوم البوسنية المسلمة على شرفها مقابل لقمة طعام.

لا يمكن إنكار درجة التشابه ما بين وقائع الأعوام 1992 – 1995، التي اندلعت فيها حرب البوسنة، ووقائع الأعوام 2011- 2013 التي شنّ فيها نظام بشار الأسد حربه على الشعب السوري، وما تزال رحاها تطحن الأخضر واليابس، وتفتك بالإنسان والمكان السوريين، تلك الأحداث التي بدأت في آذار-مارس في كل من البلدين سوريا… والبوسنة.

ففي مارس 1991 عقدت مباحثات سرية ما بين فرانيو تودجمان وسلوبودان ميلوسيفيتش لتقسيم البوسنة بين الصرب والكروات والمعروفة باسم اتفاق كارادورديفو، وهاجم الصرب جبهات عدّة من المنطقة البوسنية، ولكن المجتمع الدولي وقف إلى جانب البوسنيين في رغبتهم في الاستقلال، وناصر مطلبهم في الحرية، واعترف بدولتهم، كما اعترف بأحقية الشعب السوري في الحرية وتغيير النظام، وازدادت الضغوط الدولية التي تطالب بسحب الجيش الشعبي اليوغسلافي من مناطق البوسنة، وحصل ما سيحصل بعد سنوات في سوريا، فقد سحبت القوات النظامية واستبدلت بقوات أخرى، كقوات الشبيحة، فقام أعضاء الجيش من الصرب البوسنيين بتغيير شاراتهم العسكرية، وشكلوا ما يسمى جيش جمهورية صرب البوسنة واستمروا في الحرب، وآزرهم آلاف من "المتطوعين" المدنيين من صربيا، واستمر الدعم اللوجستي والمالي للخصم الصربي وحلفائه،وذكرت المصادر ومنظمات حقوق الإنسان أنه تم احتجاز الكثير من الرجال في مخيمات خاصة، أما النساء فكان يحتفظ بهن في مراكز اعتقال متعددة حيث يعشن في ظروف قاسية وغير صحية، ويتعرضن لأسوأ المعاملات بما فيها الاعتداءات الجنسية المتكررة.

كان الجنود ورجال الشرطة يأتون إلى مراكز الاعتقال تلك، فينتقون من النساء البوسنيات ويقومون باغتصابهن، وقد تم تهجير ما يقارب 2.2 مليون بوسني عن أراضيهم، ما بين لاجئ ونازح داخل البوسنة وخارجها، ثم شارك الكروات في البوسنة والهرسك في الإبادة، وقاموا بفرض سلطتهم وطرد اللاجئين المسلمين، وحسب لوائح الاتهام ضد أحد زعماء الكروات وهو جادرانكو بريليتش، فإن مجلس الدفاع الكرواتي قد قام بعملية تطهير عرقي للمسلمين من قرية بروزور والقرى المحيطة بها، وقتل حوالي 200،000 بوسني مسلم على يد الصرب. وانتشرت نداءات من البوسنيات جاء في بعضها: "إن عجزتم عن مدنا بالسلاح للدفاع عن شرفنا فأمدونا بحبوب منع الحمل حتى لا تتعاظم المصيبة".
يحدث في سوريا اليوم ما حدث في البوسنة أمس.. مجارز وقتل وتدمير.. والعالم يتفرج

وتقول الأمم المتحدة عن حرب البوسنة، إنه ما بين الفترة الممتدة بين 17 نيسان- أبريل 1992، والعام 1995 تمت إبادة أكثر من 300000 بوسني مسلم، وفي مذبحة سيربرينتشا وحدها تمت إبادة أكثر من 80000 شخص وقتل واغتصب الكثير من البوسنيات المسلمات حتى الموت تحت أنظار القوات الهولندية التي كانت مُكلفة بحماية المدنيين بالمدينة.


الموقف الأوروبي


في اجتماع هلسنكي لمؤتمر الأمن والتعاون الأوروبيَّين، دانت القمة الاعتداءات الصربية على البوسنة، ودعت الهيئات الأوروبية إلى عمليات إغاثة إنسانية، وفرض حصار، دبلوماسي وتجاري واقتصادي، ضد صربيا، مع الاعتراف بجمهورية البوسنة والهرسك. وقد تلخص الموقف الأوروبي، مع بداية الأزمة، في رفض أي عمل عسكري ضد صربيا، إلاَّ لتأمين عمليات الإغاثة الإنسانية فقط.

الجانبان الفرنسي والألماني كانا يريان ممارسة ضغوط على الصرب، بسبب عملياتهم ضد كروات البوسنة. وفي 24 أكتوبر – تشرين الأول 1996، أعلن الرئيس الفرنسي، جاك شيراك، تشككه في إمكانية إقرار سلام دائم في البوسنة، خلال عام واحد. وأشار إلى صعوبة تجاهل دور روسيا، في عملية إحلال هذا السلام. ودعا إلى إيجاد صيغة، من شأنها منح موسكو جزءا من مسؤولية صنعه. وحذر واشنطن من إهانة موسكو!

من جهة أخرى أعلن المستشار الألماني، هلموت كول، تأييده، في العام 1993، إلغاء حظر تصدير السلاح إلى البوسنة والهرسك، بشروط معينة، وإعطاء المقاتلين الفرصة للدفاع عن أنفسهم، وطالب وزير الدفاع الألماني "فولكر روها"، برفع الحظر المفروض على البوسنة والهرسك، وقال: "أنا مع رفض حظر توريد الأسلحة، لأن توازن القوى، غالبا ما يوقف الحروب".

أليس هذا التوازن هو ما يتحدث عنه المجتمع الدولي اليوم فيما بين المعارضة السورية ونظام بشار الأسد؟!

أما بريطانيا فقد كانت الأكثر تشدّدا تجاه الملف البوسني، ورفضت ممارسة أي نوع من الضغوط على الصرب، و ذكرت جريدة "صنداي تايمز" البريطانية، أن جون ميغور، رئيس الوزراء البريطاني، كتب إلى الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، يحذره من أي قرار متسرع، ولا سيما قرارا عسكريا، يمكن أن تتخذه واشنطن.


الموقف الروسي


يُعتقد على الدوام أن هناك ما يشبه التناقض في الموقفين الروسي والأميركي، في قضية مثل قضية البوسنة، وذلك بسبب ما يلقاه الصرب من "دعم سياسي وعسكري" من جانب روسيا، بينما تريد واشنطن معاقبة الصرب على عدوانهم وعدم مكافأتهم، غير أن حقيقة الأمر، تشير إلى عدم وجود أدنى تعارض في الموقف السياسي بين الدولتين، فكلا الدولتين لم ترغب في رؤية دولة مسلمة في البوسنة، وتوافق كل منهما على تقسيم البوسنة، حيث تُظهر أميركا عدم معارضتها لتوجيه ضربات عقابية ضد الصرب، بينما يتشدد الروس ويهددون باستخدام حق النقض "الفيتو". وبذلك، كانت تجري عرقلة أي مشروع لقرار جدّي يستهدف إيقاف العدوان الجاري على أرض البوسنة، بينما أعلنت الولايات المتحدة نيتها معاقبة الصرب/ "الأسد في الحالة السورية!". وصرح فيتالي تشوركين، مبعوث روسيا الخاص إلى مباحثات السلام في البوسنة، في جنيف، قائلا: "إن التهديد الأميركي، بتوجيه ضربات عسكرية ضد الصرب في البوسنة، قد جاء في وقت سيئ جدا. وإن ذلك سيكون له تأثير ضارّ في سير المفاوضات"/ " جنيف 2 في الحالة السورية!" وتابع تشوركين" وإن انفراد أميركا بأية عملية في البوسنة، قد يقوّض التعاون بين القوى الكبرى، الذي أعقب انتهاء الحرب الباردة".

وقال الرئيس الروسي بوريس يلتسين "إنه لا يوجد سوى حلَّين فقط، لحسم أي نزاع، ينشب في العالم. فإما أن يحل النزاع بالحرب، أو بالتفاوض.

وعلى أصحاب المشكلة أن يفاضلوا بين أحد هذين الحلين، وقد استفاد من تردد موقف الدول الغربية، فقرر أنه يجب أن يبدأ "تفاوض" ما بين الكروات والمسلمين مع الصربيين /"مفاوضات جنيف2 والحل السياسي في المشكلة السورية".

استخدمت موسكو حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن، لمنع توجيه ضربات عسكرية ضد مواقع الصرب في البوسنة، ولمنع رفع الحظر المفروض على إرسال السلاح إلى الأطراف المتصارعة هناك. وإذا ما صدر قرار من مجلس الأمن، يقضي برفع الحظر المفروض على إرسال السلاح، وتمكنت الدول الداعمة للبوسنيين من تقديم يد العون العسكري إلى مسلمي البوسنة، فإن موسكو يجب أن تكون مستعدة لتقديم مساعدات مماثلة إلى صرب البوسنة.

يحدث في سوريا اليوم ما حدث في البوسنة أمس.. مجارز وقتل وتدمير.. والعالم يتفرج

وقامت روسيا بتشجيع المنظمات والهيئات الدولية الخاصة على إرسال المتطوعين الروس، ومن دول سلافية أخرى، للقتال مع صرب البوسنة، ضد البوسنيين والكروات/"ألوية أبي الفضل العباس وحزب الله والحوثيين وفيلق القدس الإيراني والحرس الثوري في الحالة السورية!" بدأت روسيا بإرسال هؤلاء "المتطوعين" وزيادة الدعم العسكري لصرب البوسنة.


الموقف الأميركي


مع تردي الأوضاع في البوسنة، وازدياد المجازر والجرائم الكبرى، بدأ الموقف الأميركي، الذي كان يغض الطرف عما يحدث، بالتكشّف، وازداد الإحراج أمام الرأي العام، وقال وارن كريستوفر "باتت الولايات المتحدة الأميركية لا تستطيع القيام بشيء، بينما أصر كلينتون على "أن الولايات المتحدة الأميركية، ما زالت تحاول تحقيق السلام".

وقال زبيغنيو بريغنسكي، مستشار الأمن القومي للرئيس الأسبق، جيمي كارتر: "أعتقد، بصراحة، أنه منظر مخز أن نرى وزير الخارجية ينفض يديه علنا، بينما سيراييفو على وشك السقوط. وسيشكل ذلك نكسة جيوسياسية خطيرة للغرب، تعكس، بوضوح، فشل قيادات أوروبا بالدرجة الأولى، وأميركا بالدرجة الثانية". ورفع الكونغرس الأميركي توصية إلى الإدارة الأميركية، مطالبا فيها بضرب أهداف صربية، ورفع الحظر على تصدير السلاح إلى البوسنة/"في الحالة السورية الرئيس أوباما يتجنب هذا باقتراح تصويت الكونغرس على الضربة الأميركية ثم يتراجع كسبا للوقت!".

في ذات الوقت، كشف ديفيد أوين، الوسيط الدولي، عن حقيقة الوهم الذي تروّج له أميركا، في توجيه ضربات جوية ضد الصرب! وفي حديث له إلى مجلة "لونوفّل أوبزرفاتور" ، قال: "إن المسلمين في البوسنة يُمَنُّون أنفسهم، بأن الأميركيين سوف يأتون لإنقاذهم، ولقد أقام المسلمون استراتيجيتهم على هذا الوهم. مع أنني حذّرتهم بألاّ يناموا على حرير الأوهام".

بعد مذبحة سربرنيتشا، وكانت قد مرّت ثلاث سنوات من التنكيل وارتكاب المجازر وشتى أنواع جرائم الحرب، بدأت الحملة الجوية للناتو ضد جيش جمهورية صرب البوسنة في آب – أغسطس 1995، ورافقها هجوم بري للقوات المتحالفة من الكروات والبوسنيين. وفي ديسمبر – كانون الأول 1996 تم التوقيع على اتفاقية دايتون بين رؤساء كل من البوسنة والهرسك وكرواتيا وصربيا لوقف الحرب. وبعد انتشار المتطوعين من البوسنيين والعرب والمسلمين الذين ذهبوا لنصرة مسلمي البوسنة، فكرت الإدارة الأميركية في خطة تضمن إخراج المجاهدين من البوسنة وبالتالي من أوروبا كي لا ينتشر التطرّف، وقامت بفتح باب الهجرة أمام البوسنيين كي يغادروا هربا من الحرب، وكان المجتمع الدولي عاجزا إزاء المأساة البوسنية، كما هو اليوم أمام مأساة السوريين، ولكن ما الذي نتج عن مختبر البوسنة عالميا؟!

ألم يكن التقسيم… وقيام كيانات جديدة في المنطقة وتغيير شكل العلاقات في شرق أوروبا، وفي الحالة السورية، فإن ما يرتكبه نظام بشار الأسد مردّه ثقة في أن الطريق الذي يسير فيها ماضية إلى اتفاق "دايتون 2" أو "طائف2" مرورا بـ"جنيف2".

6