بين الفتوى والقانون: الإصلاح ثم الإصلاح

السبت 2014/11/29

إن المسلم لا يحتاج إلى الفتوى في كل صغيرة وكبيرة حتى يحيى مثل البشر. وهنا نماذج لبعض الأسئلة التي ترد لهيئة كبار العلماء والمنشورة في فتاوى رسمية: ما حكم الاغتسال بشامبو مخلوط بالليمون أو البيض؟ ما حكم لبس خاتم الفضة في اليد اليمنى أو اليسرى؟ ما حكم استخدام السخانات التي تعمل بالطاقة الشمسية؟ ما حكم استخدام الحمامات الإفرنجية؟ ما حكم ثقب أذن الأنثى للتزين؟ ما حكم رمي الأظافر بعد قصها؟ ما حكم استخدام الفرشاة ومعجون الأسنان؟ ما حكم توضؤ الرجل عاريا؟ ما حكم زواج المسلم من امرأة محجبة تعتنق المذهب الشيوعي؟ (وقد تكرمت اللجنة بالإجازة، لكنها قالت في الفتوى 3105 بعدم جواز تعرّف المسلم على الشيوعيين والقاديانيين والنصيريين والدروز!). ما حكم أن يرى الرجل زوجته عارية؟ (وقد تكرمت اللجنة بالإجازة والعكس صحيح!). ما حكم تشغيل شريط قرآن أثناء الجماع لطرد الشياطين؟ (وقد تكرمت اللجنة بعدم الإجازة!). ماذا أفعل بفاتورة هاتف قديمة لم أقم بتسديدها؟ (وقد تكرمت اللجنة بحث السائل على تسديدها!). هل يجوز استخدام شحم النمر في العلاج؟ (وهذه أول مرة أسمع عن فائدة متوخاة من شحم النمر، وقد أفتت اللجنة بعدم جواز ذلك. كما رصدْت سؤالا عن حكم تناول الخَل وحكم الشرب قياما أو قعودا، وتكرمت اللجنة بإجازة كل ذلك!)

يجب تنبيه وزارة التربية والتعليم لمعالجة سطوة الفتوى من خلال المناهج وغرس قيمة العقل وتنمية القدرة على التفكير لدى الطلبة، ومن جهة أخرى وجب إصدار قرار سياسي يجري تغييرا جذريا في هيئة كبار العلماء، يحافظ على الأسماء المستنيرة مثل د. عبدالوهاب أبو سليمان، ويستقطب الأسماء التي اطمأن الناس لفتاواها أو منهجها الفكري- من داخل المملكة وخارجها- على قاعدة توسيع الشرائح العمرية والمذهبية والمناطقية في الهيئة (أمثال: علي جمعة، الحبيب علي الجفري، عبدالله بن بيه، عدنان إبراهيم، عيسى الغيث، عبدالعزيز القاسم، محمد الدحيم، عبدالله فراج الشريف، عبدالله فدعق، حسن الصفار وعلي الأمين).

كان قرارا موفّقا الذي اتخذه خادم الحرمين الشريفين في فبراير 2009 بتوسيع هيئة كبار العلماء لتشمل كل مذاهب السُنة. المطلوب- اليوم- أن تعبّر الهيئة عن كل المذاهب في السعودية وتحقق التكافؤ بين المذاهب السُنيّة.

حين تعبر هيئة كبار العلماء عن طموحات المواطنين ومكوناتهم، لن يلجأ الناس إلى طلب الفتوى من غيرها، وحين يكون أعضاء هيئة كبار العلماء على قدر عالٍ من الدراية والمعاصرة والإيمان بهاجس تجديد الخطاب الديني نحو المدنية، وتمكين المرأة، وثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومنطق العدل والحرية، وتقديم العقل على النقل، وتغليب القانون على الفتوى، سيلفظ الناس أصحاب الفتاوى الشاذة والآراء المتطرفة وتتعزز الصورة الحضارية والمشرقة للإسلام.

إن منصب المفتي، من دون قصد شاغله، نظراً لجسامة مهامه، يستحق أن يطاله التغيير كل ثماني سنوات كحد أقصى لتحقيق المواكبة والتطوير وضخ دماء جديدة، وأن يُدوّر المنصب- كذلك- بين المذاهب السُنيّة والمناطق السعودية. إن منصب المفتي “وظيفة” وليس مقاماً مقدساً يجب أن يلازم صاحبه- أياً كان- إلى الوفاة، ومهمة الإفتاء يستطيع أن يقوم بها العالِم أثناء قيامه بوظيفة المفتي وبعدها كما كان يزاولها قبلها، بالإضافة إلى أن سلطة الفتوى تستمد شرعيتها من خيارات المريدين لا من منصب العالِم أو من قرار رسمي. لا يُعْقل أن يشغل منصب المفتي منذ قيام الدولة ثلاثة مفتين فقط (بغض النظر عن أن منصب المفتي بدعة عثمانية تمت لأغراض سياسية وبروتوكولية).

لا تبنى الأوطان بالفتاوى، إنما بالقانون، والقانون في مجمله هو مجموعة من القواعد التي تحكم وتنظم سلوك الأفراد في الجماعة وتوفق بين مصالحهم ويجب أن يخضع الجميع لها دون استثناء، أما الفتوى فهي “تبيين الحكم الشرعي عن دليل لمن سأله عنه”، القانون يصوغه المشرع نيابة عن المجتمع، والفتوى كما يقول ابن الصلاح “توقيع عن الله تبارك وتعالى” وهذا الادعاء في حد ذاته يشير إلى مبدأ احتكار الإسلام الذي رفضه الإسلام لأن الفتوى-في حقيقتها- رأي لا وحي.

إننا نستطيع معرفة رأي المجتمع في القوانين عبر الانتخابات أو استطلاعات الرأي، ويمكن تصحيح خطأ المشرّع بقانون جديد وفق آليات النظام أو انتخابات جديدة، ولكن إذا أخطأ الفقيه في توقيعه عن الله فيصعب اكتشاف الخطأ ما لم يكن هناك نص قرآني محكم أو حديث متواتر، وحتى يكتشف الخطأ يخسر المواطن وقتا فادحا لملاحقة العصر وتطوراته (مثلا: الموقف السلبي للخطاب الديني السعودي من حقوق الإنسان حتى إعلان الملك فهد عن موافقته على قيام جمعية حقوق الإنسان الأهلية ثم الحكومية عام 2004، والموقف السلبي من الانتخابات حتى إعلان النظام عن تفعيل الانتخابات البلدية في ديسمبر 2004)، كما أننا، على الأرجح، حين نتحدث عن موضوع معين فنحن نتحدث عن قانون واحد بعد المناقشة والصياغة والإقرار، أما لو انتقلنا إلى الفتوى، فلكل موضوع ألف فتوى، وبالتالي من الأصل، فإن القانون له طابع الإلزام وصفة المساواة وغاية العدل، أما الفتوى فإنها تفتح أبواب التخيير والتنوع والاجتهاد لغاية التعلم أو التعبد، وإذا كان هذا ينطبق على منطق الفرد العادي، فإنه لا يسري على منطق الدولة.

ختاما، أذكر بمقولة الإمام محمد عبده: “أصلٌ من أصولِ الإسلام، قلبُ السلطة الدينيّة والإتيانِ عليها من أساسها، هدَم الإسلامُ بناء تلك السلطة ومحا أثرها، حتى لم يبق لها عند الجمهور من أهلهِ اسمٌ ولا رسم، لكل مُسلمٍ أن يفهم عن الله من كتاب الله وعن رسولهِ من كلامِ رسولهِ، دون توسيط أحد من سلف ولا خلف، وإنّما يجب عليه قبل ذلك أن يُحصّل من وسائله ما يؤهلهُ للفهم”.


صحافي سعودي

9