بين الفنان الحقيقي والمقلّد توقيع

الجمعة 2014/08/22

لمرسيليا أسواق أسبوعية عديدة، وأخرى يومية قارة، من الضروري زيارتها لفهم طبيعة اقتصاد الجنوب الفرنسي، المعتمد على البيع والشراء في كل ما تتوقّع ولا تتوقّع.

أسواق مرسيليا الأسبوعية المتنقلة من منطقة إلى أخرى بمواعيد ومواقيت معلومة، تقفل في تمام الساعة الواحدة زوالا، لترى عمّال النظافة على قدم وساق ينظّفون ما علق من البقايا القليلة من بعض الأكياس واللفافات التي سقطت سهوا من الباعة، الحريصين كل الحرص على ترك المكان نظيفا، بوعي راسخ منهم، أنّ التنظيف شأن شخصيّ، أوّلا وقبل كلّ شيء.

من هذه الأسواق الأسبوعية المنتصبة بمرسيليا الممتدّة، كان لي أن زُرت “سوق لابلين”، سوق طويلة عريضة بها كلّ شيء، أو باستفهام أدقّ، ما هو الشيء الذي لا يمكن أن لا تجده فيها؟!

رومانيون، ألبان، أفارقة وعرب، نعم، وعرب شمال القارة الإفريقية تحديدا، هم ببساطة شريان اقتصاد الجنوب الفرنسي، يتمركزون ذات اليمين وذات الشمال يعرضون بضاعتهم، ولا يعترضون البتة إن لم تقتن منهم شيئا، ولو بعد تمحيص مطوّل.

أخلاق اقتصاديّة مرحة، تبدو للوهلة الأولى مفتعلة، وما هي بمفتعلة، خاصة حين ترى أسرابا من الفرنسيين الخلّص، يقبلون على بضاعتهم بنهم وشراهة وقناعة بأنّ ما لديهم من متاع، لا يُمكن توفّره بهذه الأسعار إلاّ عندهم.

أعلى سعر لأيّ بضاعة تشاء، لا يتجاوز الخمسين يورو.. مع إمكانية المجادلة في الثّمن، ولو إلى النصف أحيانا.

في ركن من السوق لمحت لوحات فنية جميلة، طبعا هي لوحات للتأثيث المنزلي، لا غير.. قلّبت بعضها إلى أن استقرّ ذوقي على قماشة غير مكتملة، رُسمت عليها امرأتان، وبينهما طاولة، وفوقها كأس واحدة نصفها فارغ والآخر ملآن.

اللوحة مرسومة بحرفيّة عالية، وكأنّ مبدعها رسّاما مُحترفا، كلّ ما ينقصها هو التوقيع، لا غير.

سألت البائع عن السعر، فقال: عشرون يورو.

قلت: خمسة عشر.

قال: هي لك.

شكرته، ومضيت أتفحّص ألوانها الترابية في تهجئة لألف باء اللون الرئيسيّ لها، الأصفر، في تدرّجاته الضوئيّة بين أصفر مخضّر، وآخر محمّر، وثالث قان، ورابع فاقع، وخامس جيري ونحوه.. مُستغربا وجودها بين تلك اللوحات المعدّة للزينة الاستهلاكية السريعة!

المهمّ، امتطيت مترو الأنفاق من محطة الميناء القديم عائدا إلى مقرّ إقامتي الحينيّة، بشارع برادو، وقبل أن أنزل في محطتي المُرتقبة “كاستيلان”، لمحتهما، أو هما اللذان لمحاني.. زوج شاب، رجل وامرأة، ينظران نحوي، بل تحديدا ناحية اللوحة التي كنت أتأبطها.

لوحتي كانت بادية للعيان، ملفوفة بورق سيلوفاني شفّاف لا غير، ما يجعل كلّ تفاصيلها واضحة لأيّ ناظر.

بعد وشوشة طفيفة بين الرجل ورفيقته، بادرني قائلا: صباح الخير.

قلت: صباح الخير.

قال: بكم هي؟

قلت مازحا: بمئة وخمسين يورو.

قال: سأقتنيها.

ومدّ يده ناحية لوحتي التي لا تزيد عن سبعين سنتيمترا طولا وثلاثين عرضا..

صاحبنا ظنّ أننّي الرسّام، وهو ما لم تظنّه صاحبته، التي ما إن لمحت اللوحة كاملة أمامها، حتى قالت: إنّها غير أصليّة، فهي غير موقّعة..

ابتسمت لها، وقلت: نعم سيّدتي فهي للديكور المنزلي، فقد اقتنيتها لتوّي من “سوق لابلين” الأسبوعي.. كنت أمزح فقط.

ودّعاني بابتسامة عريضة، قبل أن أنزل في محطتي المرتقبة، وكعادتي أخرجت دفتري وقلمي من محفظتي الصغيرة، وكتبت: “بين أن تكون فنّانا حقيقيّا ومقلّدا شرسا للآثار الفنيّة، مسافة توقيع.. فوقّع حياتك بأدواتك، مهما كانت بسيطة، فإن مرّ يوم لم تكن فيه أنت، فاعلم أنّ غيرك قد خلّد يومه بتوقيعه الخاص.. فوقّع أنّك فاعل”.

17