بين القاهرة وبيروت نموذجان من الإسلاميين "المسالمين"

الأربعاء 2015/11/25

انتابني القلق عندما طالعت وجه سائق التاكسي الذي سيقلني إلى المطار مع صلعته التي تزيد بروز ذقنه الطويلة شبه المشوشة وجلبابه الواسع ورقبته الضخمة؛ وخصوصا عندما اقترح وضع الحقيبة إلى جانبه وليس في المكان المخصص لها (تبين أن في الصندوق عطلا)، وسألت مرافقي هل هذه هي السيارة؟ أعاد تأكيد الأمر قائلا بعد أن أحس بعدم ثقتي: أجل أجل لا تقلقي إنه سائق نعرفه وموثوق به. ومتوجها إلى السائق: إنها خائفة طوال الوقت.

وهكذا استسلمت للسائق المصري اللطيف، الذي أقلني إلى المطار، رغم مظهره الموحي “بالأخونة”. حرص على التحدث إليّ بتهذيب وبلهجته المصرية اللطيفة وحرص على الإشارة إلى المعالم الأساسية على الطريق بعد أن أنهى حديثه مع ابنه، ذي السبعة عشر عاما وفي الثالثة ثانوي، الذي يعمل إلى جانب الدراسة واختار تغيير عمله من عامل في تقطيع الدجاج إلى “غرسون” في أوتيل في مكان يبعد 50 كلم عن القاهرة. اطمأننت لموقف الأب الذي كان حازما في طلبه منه العودة إلى عمله الحالي وترك خدمة الزبائن وتقديم الشيشة وتجريبها لإشعالها. وخصوصا كي لا ينام خارج المنزل ويصبح بعيدا عن رقابته وناظريه. “أي حد ممكن يلعب له بعقله” هكذا برر رفضه.

وعندما مررنا فوق العباسية على كوبري 6 أكتوبر أشار إلى مستشفى الأمراض العقلية وقال: كل من يقول كلاما غير مقبول نقول له “هو إنت عباسية؟”. وأخبرني عن القطاع العام والقطاع الخاص والبقشيش وأن الأماكن متوفرة بسهولة عند حسن التصرف.

عندما سألته عن عداد المواليد قال إنه لا يزال أمامنا لم نصله بعد وأخبرني كيف أنه عدّ 10 مواليد ذات مرة في دقيقة واحدة. قلت له إن هذا كثير وإن مشكلة مصر في كثرة المواليد وعدم القدرة على تحديد النسل. قبل كلامي ولم يعلق، لكن الحديث اتجه بهذه المناسبة نحو الإنجاب والنسل والزواج، وعندما استفسرت عن عدد أولاده أجاب إنهم أربعة، فاستحسنت الأمر، لكنه علل ذلك بأن زوجته ضعيفة وترفض الإنجاب الآن وتقول لي انتظر؛ ويبدو أنه لا يريد الانتظار، أو أن ذلك هو مسوّغ الزواج بأخرى. وقال إنه يرغب في طفل خامس وإذا رفضت فسوف يتزوج من أخرى؛ يختار أرملة أو مطلقة مستقلة ولديها شقة وتحتاج رجلا ويساهم من قبله بالمصروف (700 أو 800 جنيه)، وكان الله يحب المحسنين.

المثل الذي استخدمه محدثي لتبرير رغبته بالزواج من زوجة ثانية هو أن الزواج بمثابة شركة، وقد فتح واحدة، وسوف يفتح الشركة الثانية كأي رجل أعمال

جادلني في أنه الشرع وأنه يلبي حاجة المرأة ويلبي رغباته ويجلب التوازن إلى سلوك الزوجة الأولى. وجود زوجتيْن يعدّل سلوك الاثنتين، إذ أن الزوجة قد تنحو نحو الدلال والتطلب عندما تجد نفسها وحيدة دون منافس. والمثل الذي استخدمه لتبرير رغبته أن الزواج شركة، فتح واحدة، وسوف يفتح الثانية كأي رجل أعمال.

وعندما اعترضت على جعل الزواج كشركة تجارية وأن العلاقات الإنسانية شراكة، صحيح، لكن ليس للمضاربة والمنافسة. وأن شرط ممارسة حقه الذي أعطاه إياه الشرع هو العدل وإعلام الزوجة بما سوف يقوم به لأنه بهذه الطريقة لا يعاملها كمساوية له في الإنسانية. فكان شعاره “الرجال قوامون على النساء”. وصمت تهذيبا أمام “المساواة بين الجنسين”، في ما عدا “درجة” تقومها القوامة من الرجال على النساء. التفسير السائد للقوامة يعني السيطرة. الاستنتاج الأخير الذي ختم به النقاش أننا في لبنان والمشرق عموما لا نتقبل فكرة تعدد الزوجات.

النموذج الآخر الذي صادفني كان السيدة المحجبة التي جلست إلى جانبي في الطائرة وسرعان ما لعلع صوت رنين جرس هاتفها وردت بلهجتها الريفية المميزة عن موعد إقلاع الطائرة ومتى تصل وعن أنها ستعلم المتكلم بالوقت الدقيق للإقلاع. تساءلت في نفسي من تكون؟ فهاجس الأصوليين والأصوليات يتملكنا أينما اتجهنا. وقلت هل يمكن أن تكون رغم مظهرها التقليدي وريفيتها الموغلة “سيدة أعمال”؟.

ظل هاتفها يرن من بيروت وترد عدة مرات، وعندما تحركت الطائرة أخيرا أعلمت محدثها عن ذلك. أثارت أيضا قلقي، فالإرهاب يغمرنا مثل مياه كالحة. لم تطفئ جهازها الخلوي طوال الرحلة ملقية نظرة عليه بين حين وآخر. وسألتني هل لدي إرسال وأنا كنت وضعت هاتفي كتلميذة مجتهدة على mode Airplane فاجأتني رنّة هاتفها مجددا عندما صرنا قريبا من الأجواء اللبنانية فتساءلت: هل لديها جهاز وشركة اتصالات متطوران إلى هذا الحد؟ لكنها نظرت إلى هاتفها متفاجئة ومنزعجة، فبدل الآيات القرآنية كانت الرنة هذه المرة النشيد الوطني اللبناني بمناسبة عيد الاستقلال في بلد التبعيات، فكلما ابتعد عنا أمر ما كلما رغبنا فيه وازددنا تعلقا به. إنه قانون الهويات: التمسك بالهوية المهددة وإشهارها.

عندما وصلنا قاعة انتظار الحقائب وشاهدت حقائب السيدة اطمأننت إلى أنها “مشروع سيدة أعمال” حقيقية، وأنها كانت منشغلة طوال الوقت بالتهيئة لتمرير بضائعها عبر الجمارك ولا بد.

كاتبة لبنانية

8