بين المغرب والرأس الأخضر: تعايش متأصل بين اليهود وباقي الأديان

الخميس 2015/04/30
لا تزال الروابط الأسرية لليهود إلى الآن حاضرة بين الرأس الأخضر والمغرب الأقصى

الدار البيضاء – “المغرب موطن لليهود كما هو موطن للمسلمين والمسيحيين وغيرهم، وإلى اليوم فإن أتباع هذه الأديان لا يحسون الخوف أو التهديد”. هكذا بدأت الصحفية الأميركية كارول كاستيل حديثها عن طبيعة وجود اليهود في المغرب الأقصى، مسلطة الضوء على تاريخ هجرتهم وتنقلهم بين مناطق دائرة الشمال الغربي لأفريقيا وتعايشهم مع الأديان والشعوب الأخرى.

“المحافظة على التراث اليهودي في الرأس الأخضر” هو محور مشروع الموظفة السابقة بالوكالة الأميركية للتنمية الدولية كارول كاستيل، والذي طرحته منذ مدة بالشراكة مع مراكز بحوث متعددة في المغرب وأسبانيا والبرتغال، وقد تمكنت الصحفية الأميركية من الوصول إلى معلومات جديدة تؤرخ لتاريخ كامل من العيش المشترك بين اليهود وغيرهم في المغرب الأقصى والرأس الأخضر.

ويروم مشروع التراث اليهودي في الرأس الأخضر، باعتباره مبادرة تسعى إلى تسليط الضوء على فصول وجوانب خفية ومجهولة في تاريخ القارة الأفريقية، إحياء ذكرى الأسر اليهودية المغربية التي هاجرت في القرن التاسع عشر إلى جزر الرأس الأخضر واستوطنت بها.

وكان منتصف القرن التاسع عشر قد شهد موجة لهجرة اليهود المغاربة، لا تستحضرها كتب التاريخ بالشكل الكافي، في اتجاه أرخبيل الرأس الأخضر عبر مضيق جبل طارق بحثا عن آفاق وفرص اقتصادية جديدة.

وقالت كارول كاستيل صاحبة فكرة المشروع “إن الروابط والصلات بين اليهود السفرديم بالرأس الأخضر والمملكة المغربية مباشرة وغير منفصلة”، كما تشهد على ذلك الكتابات والنقوش على شواهد القبور والأضرحة بالمقابر اليهودية في الأرخبيل.

وأضافت الصحفية الأميركية أن أرخبيل الرأس الأخضر، الذي يبعد بنحو 483 كلم عن الشواطئ السنغالية، اضطلع في تلك الفترة بدور حاسم في التجارة عبر الأطلسية التي كانت تسيطر عليها البرتغال. وساهم إلغاء لشبونة لمحاكم التفتيش في سنة 1821 وتوقيعها معاهدة للتجارة والملاحة مع بريطانيا في سنة 1822، في تسهيل تنقل اليهود السفرديم المغاربة وهجرتهم إلى جزر الرأس الأخضر.

تؤكد البحوث أن الروابط والصلات بين اليهود السفرديم بالرأس الأخضر والمملكة المغربية مباشرة وغير منفصلة

وقد أكدت كارول كاستيل أن الهجرات التي قام بها اليهود من المغرب إلى الرأس الأخضر لم تكن اختيارية رغم أن الفرص الاقتصادية في السواحل القريبة من السنغال كانت متوفرة، “بل إن اليهود كانوا مضطرين لترك ديارهم ومصالحهم للهجرة، بعد الضغوط الشديدة التي كانت تمارسها السلطات الاستعمارية البرتغالية عليهم كمغاربة عبر محاكم التفتيش والكتائب المسيحية المتطرفة”. وهذا ما يعكس حسب باحثين درجة الانسجام التي كانت بين المسلمين وهم الأغلبية في المغرب وأتباع الديانات الأخرى كاليهود والمسيحيين.

وأشارت كاستيل، على هامش زيارتها للرباط الأسبوع الماضي، إلى أن الكتابات والنقوش تكشف بوضوح عن أصول هؤلاء المهاجرين اليهود، الذين ينتسب أغلبهم إلى مدن طنجة وتطوان والرباط وموغادور (الصويرة حاليا). وأضافت أن اليهود المغاربة، زاولوا بعد استقرارهم في الرأس الأخضر، مهنا وأنشطة اقتصادية متنوعة من قبيل التجارة الدولية والملاحة البحرية، حيث عملوا كمتصرفين لدى السلطات الاستعمارية البرتغالية التي كانت تسيطر على الأرخبيل الاستراتيجي للرأس الأخضر، و”هي الأنشطة ذاتها التي كانوا يمارسونها في المغرب قبل انتقالهم قسرا إلى مناطق أخرى”.

ومن الواضح أن المقابر، التي يوجد أغلبها في وضعية متردية للغاية، تشكل التجلي والمؤشر الوحيد على هذا الوجود اليهودي المغربي في الرأس الأخضر. وهو ما شكل حافزا رئيسيا لإطلاق “مشروع التراث اليهودي في الرأس الأخضر”، الذي يروم ترميم والمحافظة على هذه المقابر في جزر سانتو أنتاو وبوا فيستا وساوتياغو، “وذلك لإحياء حقيقة مفادها أن وضع اليهود في المغرب ومنذ زمن بعيد كان وضع المسلمين والمسيحيين نفسه، وهذا ما يؤكد تقاسمهم للهم نفسه كشعب واحد” حسب تعبير كارول كاستيل.

وتكشف الكتابات والنقوش، على شواهد القبور والأضرحة، في المقابر اليهودية الصغيرة المنتشرة في ربوع هذه الجزر، عن حمل الغالبية العظمى لهؤلاء المهاجرين لأسماء مميزة للسفرديم من قبيل، عدي، بنوليل، بنطاهر، بنشيمول، بريغام، كوهين، ليفي، مامان، بنتو، سيرويا، وواهنون، وهي أسماء اليهود المنتشرين في المغرب بشكل أساسي.

ولاحظت كاستيل أن اليهود المغاربة كانوا يعيشون ويعملون في الرأس الأخضر، غير أنه بسبب قلة عددهم مقارنة بالسكان المحليين الذين يعتنقون المسيحية الكاثوليكية، وبسبب الزواج المختلط المنتشر بشكل كبير، فقد دفع هذا التماهي مع السكان المحليين، إلى صعوبة العثور اليوم على يهودي متمسك بالتطبيق الحرفي واليومي للشعائر الدينية في الأرخبيل.

ويتوخى أصحاب مشروع التراث اليهودي في الرأس الأخضر مواصلة الحوارات واللقاءات والأبحاث في أرشيف وتاريخ الأسر اليهودية وأحفادها بالرأس الأخضر، بهدف تسليط مزيد من الضوء على وجودها. وتبرز المؤرخة البرتغالية المتخصصة في القضايا الأفريقية، أنجيلا صوفيا بينولييل كوتينهو، من جانبها، أنه يمكن العثور في وثائق البرتغال حول الرأس الأخضر “على مراجع بخصوص المئات من الأشخاص، من النساء والرجال، ولاسيما الرجال”، هم في الأصل يهود مغاربة هاجروا إلى جزر المنطقة.

وأكدت بينولييل كوتينهو، أن العديد من أحفاد اليهود المغاربة مازالوا يقطنون في الرأس الأخضر، فيما يعيش بعضهم حاليا في البرتغال والولايات المتحدة الأميركية، موضحة أنها نفسها تنحدر من عائلة يهودية تنتمي إلى مدينة الرباط.

13