بين المِبضع والقلم.. مغربيتان تجتاحان عالم الأدب

أكثر من زاوج بين الأدب والعلم هم الأطباء، ويشهد على ذلك تاريخ المدوّنة الأدبية العالمية التي قدّمت أدباء كبارا هم في الأصل أطباء مثل أنطون تشيخوف وبوكاكوف ووليام سومرست موم وغيرهم. المدوّنة العربية أيضا شهدت الكثير من الأطباء الذين قدّموا الكثير لعالم الكتابة الأدبية والإبداعية مثل يوسف إدريس ونوال السعداوي وهيفاء بيطار وأحمد خالد توفيق، وغيرهم كثير. هذه المزاوجة التي باتت معتادة بين الطب والأدب لها أسرارها، لكن يبقى الجديد اليوم هو أن بعض الأطباء اقتحموا الأدب والكتابة عبر العالم الرقمي.
الخميس 2018/01/11
الأدب وخدمة الجسد يكملان بعضهما البعض (لوحة للفنان علي رضا درويش)

الرباط - رغم أن الطب مجال علمي بحت، إلا أن بعض العاملين فيه تمرّدوا على عالمه الصارم، وقرروا اجتياح عالم الأدب والإبداع، حيث ترفع القيود عن الكلمات، ليصنع عالما موازياً يتقاطع عنده المبضع والقلم ويتزاوج بين الواقع والخيال.

طبيبات مغربيات كسرن الحاجز السميك الذي غالبا ما يفرض بين العلمي والأدبي، ليثبتن للعالم بأسره أن الإبداع لا ينحصر في مجال بعينه، وأن التكوين الأكاديمي لا يقتل المواهب الكامنة في الإنسان، تماما مثلما كان الحال عليه بالنسبة للدكتورة المصرية نوال السعداوي.

السعداوي أو “الطبيبة المتمردة”، والتي تعدّ أشهر طبيبة عربية استطاعت كسر الحواجز اللامرئية بين مجالي العلوم والآداب في العصر الأدبي الحديث، امتلكت جرأة غير مسبوقة مكَّنتها من التخلي عن امتهان الطب وهي الجراحة التي اختصت فيها في الأمراض الصدرية، لتخُطَّ مؤلفات وروايات شهيرة بينها “مذكرات طبيبة”.

التوفيق بين المهنة والإبداع أمر صعب، لكن يبقى الطب بالنسبة إلى الكاتبتين ضرورة حياتية مثله مثل الكتابة

العلم والأدب

وداد أزداد، مدَوِّنة مغربية، وهي أيضا أخصائية في طب الأشعة، تقول معقّبة على الموضوع “قد يبدو التعارض جليّا بين الطب والكتابة الأدبية للوهلة الأولى”.

واستطردت ضاحكة “حتى والدي نصحني مازحا بدراسة الآداب حتى لا تضيع مَلَكتي الإبداعية، وكأن المجال العلمي والكتابة لا يتوافقان”.

تضيف أزداد “قد يكون والدي مُحقا بشكل ما، فربما أخَّرني الطب عن كتابة النصوص الاحترافية والأعمال الروائية التي أنوي الشروع فيها بمجرد الحصول على بعض الاستقرار، عقب ختام مشواري الجامعي الطويل”. وباعتبارها طبيبة أشعة، تشعر أزداد بشعور الفخر بالذات الذي يجتاح كل طبيب لدى تشخيص مرض تنقذ بواسطته حياة شخص، والشعور نفسه ممزوج بنشوة لا يعرفها إلا من اختبر مذاق الكتابة الأدبية، تشعر به عند كتابتها نصا أدبيا قيّما.

ففي الحالتين، يمر الدماغ بفترة مخاض عصيبة قبل أن تنتابه حالة من الفرح والراحة.

بدورها، اعتبرت فاطمة الزهراء زعري، وهي خريجة المعهد العالي للمهن التمريضية وتقني الصحة، والباحثة في “البيوتكنولوجيا الطبية” بكلية الطب والصيدلة بالرباط، أنّ “الطبّ ليس حقلا علميا فقط، بل هو مزيج بين الإنسانية والعلم”.

وفي حديثها لنا تتابع زعري وهي أيضا كاتبة بمدوّنات مختلفة، “إن كلّ تجربة في هذا الميدان لا بد أن تترك وخزا بداخلنا، يصعب التعبير عنه لحظتها، كأن نفقد مريضا أو ننقذ حياته، وكلاهما مشهد مؤثر للغاية”.

ولأن لا أحد باستِطاعته إنكار سِحر الحروف العربية وإغرائها اللافت، فقد كانت القراءة والمطالعة بداية جيدة لكل من الطبيبتين قبل خطِّ نصوصهما الإبداعية الأولى في سن مبكرة.

تتذكر الممرضة فاطمة الزهراء الزعري، بكثير من الحنين، أسماء الكتب الأدبية التي كانت تضيء ليلها، قبل أن يتطوّر الأمر إلى حمل القلم وخطّ أولى السطور. “كلما اختنقت كتبت”، تقول “وكلما فرحت كتبت، وكلما انزعجت كتبت، صار الأمر ترياقا”.

المسار نفسه سلكته الطبيبة وداد أزداد، راسمة ابتسامة هادئة على وجهها قبل أن تتابع حديثها، قائلة “بالنسبة إليّ، فإنّ أول محاولة أدبية حقيقية لم تأت إلا في سن الثامنة، حيث كتبتُ حينها قصة خيالية مطوَّلة”.

ولئن بدأت أزداد التي يتابعها نحو 20 ألف متابع عبر صفحتها الرسمية على موقع “فيسبوك” كتاباتها بلغة موليير أي الفرنسية، فإنها سرعان ما نفضت الغبار عن كتاباتها العربية، حين اكتشفت تجاوب القرّاء مع النصوص العربية.

نعم هما لغتان للكتابة، لكن ضيفتنا تؤكّد أن العربية ستظل دائما الأحب والأقرب إلى قلبها والأكثر تعبيرا عمَّا يخالج كيانها.

رغم عشقهما للكتابة والإبداع، إلا أن ذلك لم يمنعهما من الاستمرار والتشبث بأكثر المهن إنسانية على الإطلاق

الطب أم الكتابة

رغم عشقهما للكتابة والإبداع، إلا أن ذلك لم يمنعهما من الاستمرار والتشبّث بأكثر المهن إنسانية على الإطلاق، معتبرتين أنهما وجهان لعملة واحدة، حيث ستستمر الممرضة والطبيبة في الانتصار للمرضى والمتألّمين ما دامت عافيتهم تُسعِفُهما، كما تقولان.

الممرضة البالغة من العمر 24 عاما قالت إن في داخلها عشقا للمجالين، ففي التمريض حبّ وعطاء، ويد ينتظرها الآخر للتخفيف من آلامه، فيما تظلّ الكتابة شفاء يبعدها عن صخب وضجيج الواقع.

عشق يجعلها قادرة -مع ذلك- على تحديد أهدافها بوضوح في الحياة، مستبعدة احتراف الكتابة، تقول “أحافظ عليها كفَنٍّ سامٍ، فمهنتي وكتاباتي رسالتان وجب تأديتهما بطريقة صائبة”.

من جهتها ترى الطبيبة الشابة والتي أنهت مشوارها الأكاديمي الطويل مؤخرا، أن “التوفيق بين المهنة والإبداع أمر صعب، ليبقى الطب ضرورة حياتية مثله مثل الكتابة”.

تقول “إنه ليس مجرد مهنة بل هو حصاد حياة بأكملها” وتتابع “وبالتالي، لا يمكنني التخلّي عنه كما لو كان مجرٌد نزوة أو هواية. بل إنني تخلّيت طويلا عن الكتابة لأجل الطب”.

فاطمة الزهراء التي تكتب أيضا علاوة على النصوص الإبداعية عددا من المقالات الأدبية، لم تنف وجود غياب حرية تعبير مطلقة، مؤكدة أن “القيود موجودة دون شك، ذلك أن الكاتب عندما يغدو رهين قرائه، فإنه يتوجّب عليه الحذر في إطلاق العنان للتعبير، حتى لا يخدش أحدا دون قصد”.

الكاتبة الشابة شدّدت على أنها لا تؤمن بالبطاقة السحرية التي تسمح بمناقشة أي موضوع بطريقة سلسلة، فهذه القيود في حدّ ذاتها تجعل من الكتابة سلاحا ورمز قوّة.

ورغم أن أزداد تلقّت العديد من العروض للإشراف على عمود يومي في صحف ورقية وإلكترونية محلية، إلا أنها رفضت ذلك.

وعن ذلك تقول “فعل الكتابة لديَّ عفوي وليس تحت الطلب، قد ينهال عليّ الإلهام كالمطر لأيام وقد ينقطع لفترة، عندما أُجبِر دماغي على الكتابة يتمرّد ويصاب بمتلازمة الصفحة البيضاء”.

ولفتت إلى أن “عددا من الصحف المحلية لم تستطع -للأسف- مواكبة العصر والتخلص من قيود الكتابة التقليدية، ولذلك حاولت قولبة نصوصي وفرض الكتابة في نمط جدّ ممل، لأتشبث بطريقتي ذات الشكل المميز والمرح الذي اعتاده جمهوري دون ابتذال”.

وهذه أسباب قالت إنها جعلتها تكتفي بالنشر عبر موقع “الفيسبوك” الذي يتيح لها هامش حرية أكبر، ويسمح لها باختيار خطها التحريري.

15