"بين النجوم" الزمن يتشظى في العوالم الأخرى

“اغضب، اغضب ولا تستسلم للموت وقارعه ولو كنت عجوزا” بهذه الكلمات تتجسم تلك العلاقة الجدلية المرتبطة بالزمن، كما جاء في فيلم “بين النجوم” للمخرج كريستوفر نولان، هذا التحدّي المؤرق الذي ظل قائما منذ وجدت البشرية سؤالا أزليا ورهانا كبيرا، تدل عليه علامات الكبر والشيخوخة، كما تدل عليه دورات الأزمنة والكواكب.
الاثنين 2015/08/10
الفيلم يطرح إشكالية الزمن الفيلمي والزمن الفضائي

ثمه كثافة تعبيرية وبنية درامية عميقة تمزج ما بين الخيال العلمي والإثارة والوجدانيات والحنين العائلي كلها جميعا في نسق واحد، وفي سرد فيلمي لا يكاد يهدأ أو يتراخى عن إيجاد المزيد والمزيد من الحبكات الثانوية التي تأسر المشاهد وهي من علامات قوة ونجاح فيلم “بين النجوم” (إنتاج 2014) للمخرج ذائع الصيت كريستوفر نولان، وحرفيته العالية.

الشخصيات التي تتفاعل وتصنع الأحداث هنا ليست بالضرورة محكومة بوجودها الأرضي وكونها كائنات معرفة بأسمائها وانتمائها المكاني، بل إنها تتماهى في الزمن الافتراضي غير المرئي ويصبح تحدّي وجودها الأساس هو خروجها عن ذلك المدار الذي تمثله الحياة، فيما الإنسان يدور في فلكها.

إنها قراءة ما مختلفة، يحاول من خلالها الطيار السابق كوبر (الممثل ماثيو مكنوغي) أن يغوص في عمق تلكم الحقائق المتعلقة بالزمن الذي يمكن أن نخترقه ونصبح جزءا من منظومته، هنا ولتأكيد مساحة التأمل تلك لا بدّ من الطبيعة ولا بدّ من الأرض، حتى تكونا منطلقا لذلك القبطان المتقاعد للتأمل والخوض في ما هو آت، بمزارع الذرة في إحدى الولايات الأميركية حيث تعيش تلك الأسرة الوديعة والد كوبر الكهل وولديه، فيما القرية تعيش صراعا مع عواصف ترابية لا تعرف أسبابها، فهي تأتي على كل شيء وتجعل سكان القرية يعيشون جحيما حقيقيا.

ولأننا بصدد الاقتراب من الشخصيات، فسنقرأ تلك العلاقة العميقة بين كوبر وطفلته ميرفي، وهي التي ستقوده إلى السؤال عن حقيقة تلك القوى الخفية التي تجعل غرفة مكتبتها تهتز، ويبقي شبح ما خطا من التراب، ليتحرّى كوبر بألمعيته أن خط الجاذبية يجري التلاعب به من قبل جهة ما.

فريق المركبة الفضائية يقطعون ساعة واحدة في الفضاء، تقابلها قرابة سبع سنوات على سطح الأرض

ولهذا يدفعه ذلك الفضول العلمي إلى تتبع الخط المغناطيسي، ليجد نفسه وقد دخل منطقة محظورة إن هي إلاّ قاعدة تعود إلى “ناسا”، ويجد نفسه في اللحظة القدرية العجيبة أنه مطلوب للذهاب فورا في رحلة إلى الفضاء الخارجي.

بمجرد الخوض في ذلك الخيار سنتحول دراميا إلى وجودين متوازيين، وجود أرضي كان قد تركه كوبر على أمل العودة إليه، وفي المقابل وجود افتراضي لكوكب كان من الممكن أن يحتضن سكان الأرض المهددين بالفناء بسبب كوكبهم الأرضي الذي شاخ.

إذن هو استكشاف ما ولكنه استكشاف ليس علميا بحتا، بل ستختفي وراءه عمليات تضليل يمارسها البروفيسور الكهل براند (الممثل مايكل كين) الذي يعلم نتائج الرحلة الجديدة للمكوك، وأن الراحلين في المهمة الجديدة لن يعودوا إلى الأرض مجددا، ولهذا ينذرهم لتلك المهمة لغرض التحقق من نتائج أبحاث أخرى يشتغل عليها.

وهنا تتصاعد تلك الدراما، وسيبحث المشاهد كما الفتاة ميرفي التي نضجت بما فيه الكفاية وصارت عالمة من علماء ناسا، سيبحث الجميع عن إجابة شافية من البروفيسور الذي يحتضر، يذكرنا بمشهد احتضار البروفيسور في فيلم “التوت البري” للعبقري السويدي برغمان.

إذا كنا انطلقنا من إشكالية الزمن الفيلمي والزمن الفضائي، فتلك إشكالية ستتحول إلى ثيمة مهمة من ثيمات الفيلم

ها هو العالم الفسيح يتسع إذا لمغامرة كبرى وسط الثقوب السوداء وصولا إلى تخوم كوكب زحل حيث المحطة المدارية، لكن الإنسان عدو الإنسان والصراع سجال بشري لا ينتهي، ها هو كوبر يعثر على المحطة المدارية في كوكب متجمد وقد هلك سكانها وهم بعثة فضائية، ولم يبق منهم إلاّ الدكتور مان (الممثل مات دامون) الذي يسعى إلى مزيد من الاستكشاف ولو كلف ذلك مزيدا من الأرواح، ولهذا لا بدّ للصراع أن ينبثق بين مان وكوبر، في مشهد طريف من العراك والملاكمة في الفضاء الخارجي.

وإذا كنا انطلقنا من إشكالية الزمن الفيلمي والزمن الفضائي، فتلك إشكالية ستتحول إلى ثيمة مهمة من ثيمات الفيلم، مع إدراك أن فريق المركبة الفضائية يقطعون ساعة واحدة في الفضاء، تقابلها قرابة 7 سنوات على سطح الأرض، وهكذا سيبلغ كوبر أكثر من مئة عام من العمر في قياس العمر الأرضي.

وهو في الحقيقة لا يمر بذلك التقهقر الزمني المفضي إلى الشيخوخة التي يجدها وقد تمكنت من طفلته وقد صارت عجوزا وسط حشد من الأبناء والأحفاد وأبناء الأحفاد، فيما الأب كوبر مازال شابا يواسيها.

يبدع المخرج نولان في صناعة فيلم من إنتاجه أيضا وسيناريو يجمعه مع شقيقه جوناثان، فيلم يجمع ما بين متعة المغامرة والخيال العلمي، وهو الذي سبق وأتحف جمهور مشاهديه سواء مخرجا أو كاتبا للسيناريو بالعديد من الأفلام من أهمها “باتمان يبدأ”، “فارس الظلام”، “بداية” و”نهوض فارس الظلام” وغيرها.

16