بين بيروت.. ودبي

الجمعة 2013/12/06

احتفل لبنان بالعيد السبعين للاستقلال على وقع أحداث طرابلس ذات الطابع المذهبي وفيما الكآبة تعمّ بيروت بفنادقها شبه الخالية. واحتفلت دولة الإمارات العربية المتحدة بالعيد الوطني الثاني والأربعين على وقع فوز دبي بتنظيم معرض «اكسبو 2020».

لا منافسة بين بيروت ودبي أو بين بيروت وأبوظبي العاصمة الإماراتية التي تعجّ بالحياة، ولكن بطريقتها الهادئة المميّزة. لا منافسة بين مدينة وأخرى في العالم نظرا إلى أن النجاح يتسّع للجميع. هل من منافسة بين باريس ولندن مثلا.. أم أن تطوّر باريس هو تطور للندن أيضا والعكس صحيح؟

كلّ ما في الأمر أن هناك من يسعى بالفعل إلى خير مدينة وبلد وهناك من يصرّ، عن سابق تصوّر وتصميم، على تدمير مدينة عمرها خمسة آلاف سنة اسمها بيروت، ومعها كلّ البلد بغية تسهيل عملية السيطرة عليه. إنه باختصار الفارق بين ثقافة الحياة التي تسود في دولة الإمارات وثقافة الموت التي يوجد من يطبّل لها في بيروت.

الأنكى من ذلك، أن المطبلين لثقافة الموت والسائرين في ركاب المروّجين لها يستكثرون على اللبنانيين الشرفاء المطالبة بوضع حدّ للسلاح غير الشرعي الذي في يد ميليشيا مذهبية تخدم مشروعا على علاقة بكلّ شيء باستثناء لبنان المزدهر القادر على احتواء أبنائه ورعايتهم.

في السنة 2013، هناك في لبنان من يعمل على تدمير بيروت وطرابلس وكلّ مدينة لبنانية وشلّ كلّ مرافق البلد. من يفعل ذلك يمتلك هدفا واضحا كلّ الوضوح يصبّ في نشر البؤس في الوطن الصغير. ولذلك، هناك تركيز ليس بعده تركيز على عزل بيروت عن العالم العربي، نظرا إلى أنها قلب لبنان وشريان الحياة فيه. من يستهدف بيروت يستهدف كلّ مدينة لبنانية، بما في ذلك طرابلس وصيدا اللتين تعانيان بطريقة أو بأخرى من ثقافة السلاح المزروع في محيطهما.

طرابلس تعاني من الاستثمار الذي قام به النظام الطائفي في سوريا في الجيب العلوي الذي اسمه بعل محسن. وضع النظام السوري أهل بعل محسن في «غيتو» معاد لمحيطه بعدما فقد القدرة على الهيمنة على طرابلس وأهلها عبر أجهزته الامنية والقمع والإرهاب.

بفضل ثقافة الموت التي يحأول «حزب الله» نشرها في كلّ أرجاء لبنان وصولا إلى الجامعة اليسوعية في بيروت، يخسر لبنان يوميا أفضل شبابه. يخسر كلّ الفرص التي توفرّها له الظروف الإقليمية. يخسر حتى بيروت التي أعدّها رفيق الحريري، بعد إعادة الحياة إلى وسطها، لتستقبل بقلب مفتوح كلّ الفرص المتاحة وتستفيد منها إلى أبعد حدود هي وأهلها وكلّ لبناني.

يحزن اللبناني على بيروت، ويفرح بما حققته دبي التي صار مطارها يستقبل عشرات الملايين من المسافرين في السنة، والتي يعيش فيها مواطنون من نحو مئة وخمسين جنسية مختلفة. في بيروت، لا يحسن اللبنانيون التعامل مع بعضهم بعضا، وهم يختلفون على كيفية التعاطي مع السوريين الذين يتدفقون على البلد هربا من نظام لا همّ له سوى إذلال شعبه وقتله بكلّ الوسائل. لا يحسن اللبنانيون التعاطي حتى مع الفلسطينيين المقيمين في المخيمات منذ ما يزيد على ستين عاما، والذين ظَلموا البلد الذي استقبلهم بعدما قبلوا أن يكونوا مطيّة للنظام السوري في سعيه إلى وضع يده على لبنان.

صارت دبي إحدى وجهات السياحة العالمية. هيّأت نفسها لذلك. أقامت فنادق وبنية تحتية متطورة. في بيروت، تكاد أن تكون الفنادق فارغة، في حين البنية التحتية في حال يرثى لها. قد يصل وقت لا يعود فيه سياح في لبنان سوى عناصر «الحرس الثوري» الإيراني.

في دبي ودولة الإمارات هناك دولة القانون والقضاء الذي يحمي كلّ مقيم على الإرض الإماراتية. في بيروت شريعة الغاب التي باتت تقف حاجزا دون مجيء أي خليجي إلى لبنان. بات طموح بيروت، لولا اصرار أهلها على تحدي ثقافة الموت والسهر في المطاعم والملاهي، أن تتحوّل إلى بغداد صغرى أو مدينة شبيهة بالبصرة التي صارت شوارعها تثير الشفقة بعدما كانت في الماضي، إحدى أجمل المدن العربية وأكثرها حياة.

لماذا تصعد دبي وتتراجع بيروت؟ السبب يعود بكلّ بساطة إلى أن في لبنان من يؤمن بالاستثمار في إثارة الغرائز المذهبية وتعميم البؤس بهدف تغيير طبيعة النظام اللبناني، عن طريق الدعوة إلى مؤتمر تأسيسي، وتكريس عاصمة لبنان مدينة إيرانية على المتوسط. هل ينجح مثل هذا المشروع المبني على جعل عبارة «الشعب والجيش والمقاومة» في أساس كلّ بيان وزاري؟

يفترض باللبنانيين التنبه إلى المخاطر التي تحيق ببلدهم.. في حال كانوا لا يريدون فقدانه. عليهم ألا يلوموا إلا أنفسهم. عليهم التطلع إلى دبي كمثل أعلى، إن من ناحية امتلاك الرؤية أو التخطيط أو المشاريع الإنمائية.. أو تعميم ثقافة احترام القانون والابتعاد كلّ البعد عن السلاح، أي نوع من السلاح.

الأكيد أن هناك من يسعى إلى جعل بيروت مدينة رافضة لأهلها، وللعرب المقيمين فيها أو الذين تعوّدوا على تمضية عطلة فيها.

يكمن كلّ الفارق بين بيروت ودبي ولبنان ودولة الإمارات، في أن قادة الدولة الشابة يستطيعون تحمّل المسؤولية ويصرّون على القول أن نجاح بلدهم كان بفضل سواعد أبنائه وسواعد العرب والأجانب المقيمين فيه. في لبنان، يسعى المسؤولون الحاليون، على رأسهم وزراء الحكومة الحالية، إلى التهرب من المسؤولية ورفض تسمية الأشياء بأسمائها بدءا بالاعتراف أن إثارة الغرائز المذهبية لا يقود سوى إلى الخراب وأنّ السلاح في يد هذه الميليشيا المذهبية أو تلك، كما حال سلاح «حزب الله» ليس سوى الطريق الأقصر إلى تفريغ لبنان من اللبنانيين وغير اللبنانيين.

هذا يعني، عمليا أنه بات على لبنان واللبنانيين البدء بالتصدي للمشروع الإيراني الخطير قبل التفكير في بلوغ ما بلغته أبو ظبي أو دبي من رقيّ وتقدّم واللحاق بهما. الفارق بين بيروت ودبيّ تختزله كلمة واحدة. إنها كلمة الدولة. لن توجد دولة في لبنان ولن تقوم قيامة لهذه الدولة ولبيروت قبل الانتهاء من السلاح غير الشرعي الذي يهدم ولا يبني. يهدم فقط مع نقطة على السطر.


إعلامي لبناني

9