بين تغريدة وأخرى "السيف" تحركه العقد وخطابه يكشف عن انتهازيته

السبت 2013/09/21
بدلا من أن يسرد السيف كل تاريخ زياد راح يغمز ويلمز

تعقيبا على مقالة عبدالله آل هيضة "اشتباك ثقافي سعودي ساحته تويتر وشظاياه في اليونسكو" المنشورة بصحيفة "العرب" في عددها 9323 بتاريخ 17 سبتمبر/ أيلول 2013، أقدّم وجهة نظر أخرى قد تفسّر أسباب الاشتباك الثقافي بين السيف والدريس.

عندما تلوح في الأفق الثقافي مقدمات لمحاكم تفتيش ضد تيار فكري معين كالإسلاميين، ينقسم خصومه الفكريون انقسامات كثيرة كما هي الحال في هذا الحدث الكاشف جدا عن معادن الرجال وشرف الخصومة.

فمنهم الكبار أصحاب المبادئ والرقي الأخلاقي الذين تمنعهم مروءتهم وعقولهم من الظلم الثقافي لخصومهم أو الإعانة على ذلك، و إن احتاجوا إلى نقد الخصوم في حال الضعف فبعلم وعدل وأدب. يقابلهم آخرون يستغلون الموقف لتصفية حسابات ثقافية وانتقام وثأر فكري موهوم بالغمز واللمز تارة ويتبرعون بلوائح ادعاء جائرة خادعة تارة أخرى، مستغلين الجو الفكري العام المشيطن لخصومهم. وبين هذين الموقفين أشتات كثيرة من الناس، كل منهم يقف في إحداثيات المكان الناتج عن المعادلة الصعبة التي مدخلاتها علمه وثقافته وعقله وأخلاقه وبيئته ونشأته وضبطه لشهوات نفسه وغير ذلك .


محاكم التفتيش


ليس معيبا أبدا أن يخطئ المرء في معلومة معينة أو تقدير موقف، لكن المرفوض حقا أن يتعامل مع الناس وخاصة الكبار خلقا وفكرا وأدبا بالعقلية "الاستراحاتية الشللية" لمزا وتشويها ونبشا وملاحقة للزلات وإفراغا لحمولة الكراهية. وإلا فما الفائدة من كتابة وقراءة وبحث سير الكبار إذا كان المرء لا يستفيد كثيرا من سموهم الفكري وتعاملهم الراقي مع المخالف الفكري وألفاظهم المهذبة وبعدهم عن نقد الشخص إلى نقد الفكرة.

الأستاذ محمد السيف "صحفي مختص بكتابة السير" له رصد مميز لسيرة الطريقي – رحمه الله – وجهود مشكورة في تدوين سير ومواقف الرواد السعوديين الأوائل. وهذا مجال مهم جدا ليقرأ الجيل الجديد قصص النجاح الباهرة لأقوام عانوا شظف العيش وتغلبوا على عقبات الحياة ليقدموا إلى وطنهم الكثير من الإنجازات والعطاءات والأخلاق العالية الرفيعة.

في حواره التويتري الأخير مع الأستاذ زياد الدريس، ابتدأ السيف بالغمز واللمز بلا داع ولم يكن منصفا مع أبي غسان، بل اقتطع من مقاله ما يوافق هواه في تشويه الصورة. وقد رد عليه الأديب الراقي اللماح حسين بافقيه بنصيحة مهذبة الأسلوب كعادة الكبار بأن هذا توقيت غريب ومريب راجيا ألا تكون "محاكم تفتيش"! وهي فعلا بوادر محاكم تفتيش فكرية للإسلاميين تتداخل فيها بشكل ظاهر محاولة انتقام وثأر من النتائج "المؤلمة" لمعركة الإسلاميين والحداثة كما وصفها السيف مقال.


اتهام متورم


الملاحظ أن ميزان السيف في رصده وأرشفته غالبا ما يكون مائلا ضد تيار فكري معين فيخفي محاسنه ويبرز أخطاءه بشكل غريب ملفت للنظر، وربما ذر الرماد في العيون بشيء قليل يوحي بالحياد والموضوعية ويكون راية يرفعها كلما رُمي بقلة الإنصاف وضعف الموضوعية. وهو يمارس هذا التشويه والانتقائية تحت جبة نشر الأرشيف الثقافي ورصد التاريخ الفكري، وما علم أن وعي المتابعين ارتقى كثيرا واكتشفوا هذا التذاكي، لأن التاريخ من السعة بحيث يختار الناظر فيه من الحوادث ما يوافق هواه ليطلق الحكم الذي بيّته بليل.

فحوادث التاريخ كمئات الحبات الملونة من أحلك السواد إلى أنصع البياض، لكن البعض هداهم الله لا ينظمون منه إلا العقود السوداء في حق مخالفيهم.

وكم هي بليغة كلمة الأستاذ بافقيه حين بلغت الكراهية والتنبيش مداها عند السيف وقدم لائحة ادعاء مبكرة لمحكمة التفتيش التي يتمناها البعض، حاول فيها إدانة الدريس حسب تصوره، قال بافقيه: "إذن هنا تجاوزنا الأرشفة"، ولما حاول السيف رفع رايته البالية من كثرة الاستخدام رد بافقيه بلغة يختلط فيها اليأس بالأمل: "أرجو ذلك". وتكرار الرجاء من بافقيه رسالة بليغة لم يلتقطها السيف بسبب اندفاعه الشديد.

" أراك أبعد ما تكون عن الإنصاف والموضوعية، ذلك أنك تريد أن نساهم معك في تغييب وجه آخر لك!" هكذا يرى السيف الإنصاف والموضوعية في هذه الجملة المتورمة بالاتهام وسوء الظن والفهم المعكوس، فبدلا من أن يسرد السيف ابتداءً كل تاريخ زياد بصوابه الكثير وخطئه القليل يغمزه ويلمزه، ولما طالبه زياد بالإنصاف فقط رد منفعلا بطريقة "ساداتية" مراوغة: "أتريد أن نساهم معك في تغييب وجه آخر لك؟".


إيلام الخصوم


و في حين تورع زياد عن الخوض في مستنقع المهاترات، يواصل السيف معركته داخله يبارز الهواء بنَفَس انتقامي متوتر جدا واتهام بتعدد الوجوه وتساؤل "شاطح" عن مؤهلات زياد التي أوصلته إلى اليونسكو، وهذه شخصنة بعيدة عن صلب الموضوع تبين النفسية التي يحملها السيف وينطلق منها تجاه من يخالفهم في الرأي، أردفتها تغريدة بافقيه الذكية:" إذن هنا تجاوزنا الأرشفة".

وتبين كذلك طريقة تفكير السيف التي تخلط عباس على دباس في الحوارات الثقافية وكأن المهم كيف "تؤلم" خصومك؟ لا كيف تستفيد من الحوار مع مخالفيك؟ والثانية بلا شك راقية رفيعة.

يواصل السيف القصف العشوائي في كافة الاتجاهات وينشر كراهيته في هذا الحوار بعبارات من نوع "محدود الأفق" "مندوب الإسلاميين" الذين يدعون الوطنية والولاء للمقطم" في الصحافة السعودية، يحرم فتاة سعودية من العمل في اليونسكو لأنها ليست صحوية! من نقلك من مختبرات الصحة إلى التربية والتعليم؟ مثقل بحمولة أيديولوجية "وهذه الأخيرة مضحكة إذ يبدو السيف كملاك طاهر يشع بالتسامح وينشر المحبة والسلام بلا أي "كونتينرات" أيديولوجية.

وفيما يترفع زياد بثيابه النظيفة عن الخوض في الوحل إذ يفترض في محاوره رقي الخلاف وحكمة الحوا، ويرد مدافعا عن نفسه واضعا يده على الجرح: "هل هذه أرشفة ثقافية أم غضب تاريخي، ولأن السيف حاد عن الإجابة الصادقة فأنا أجيب: بل هي انتقائية مقيتة وكراهية فكرية وحقد ثقافي".


أخلاق الكراهية


موجة التغريدات الثانية والثالثة للسيف قربت القارئ أكثر من "عقدة السيف الثقافية" التي تحركه وكشفت كذلك عن مستواه الأخلاقي وانفعاله الغريب ونَفَسه المتشنج عبر اتهامات طائشة بأن زياد انتهازي ذو أوجه متعددة ولف ودوران! الترابي أستاذك فاشفع لنا عنده أنت أصولي عقدي مغال مناهض للوطن مؤمن بالمفاصلة الشعورية "القطبية" سأكشف ما تحاول إخفاءه من فكرك "البطّال"، مخادع مراوغ تحاول احتوائي حتى لا أكشفك وأعريك فأنا قوي جدا كتبت سيرة الطريقي! تتخلق بالكراهية وتتربص بالناس وتتأبط الشر لهم، تقول عني إنني راصد ثقافي وعند الحديث عنك نفيت أن تكون أرشفة.

وهذه الأخيرة فهم غريب ربما سببه التوتر والاحتقان لأن زياد يطلب منه الإنصاف فقط وأن يذكر ما له وما عليه، لكن السيف في هجومه كان كمن يصرخ وقد اشتعلت في ثيابه النيران هائجا محمرا وجهه "زياد إسلامي بل إخواني بل قطبي ترابي أقيموا عليه حد مناهضة الوطن يا قضاة التفتيش الفكري"، وهو في هذا يهرول في اتجاه واحد والأنوار خافتة لا تتيح لي الرؤية بشكل جيد ما لم يتمهل ويركد.

في الموجة التغريدية الثالثة تضح "العقدة الثقافية" المحركة للسيف بشكل أكبر وتتضح معها الديكتاتورية الفكرية والستالينية الثقافية ويريد من زياد أن ينسلخ عن أفكاره كلها فقط لأنها لا توافق المقاييس و المعايير "السيفية" و لا يريد حتى أن يبقى لها أدنى أثر.

وتعود أيضا توهمات السيف التي يبني عليها اتهاماته حول كتب ومقالات زياد، و يقفز في مشهد مخز من نقد الفكرة إلى الشخصنة و غمز و لمز لإدريس أخ زياد و"الحقود النمام" صديق زياد والملف المعتاد مؤهلات اليونسكو.

ويختمها كالعادة بالفهم المعكوس: "لماذا تفخر بأرشيفك وفيه هفوات وزلات كبرى" ولست أدري كيف أشرح الأخيرة إن كانت حقا أعمته عنها الكراهية. وكأن الزلات الكبرى تمنع أن يقوم المرء بحسنات كبرى أيضا وكأننا لم نتعلم يوما في الابتدائية أن الرجوع عن الخطأ "خيرٌ" من التمادي فيه وأن الاعتراف بذلك من شيم الكبار.


كربلائية السيف


قد يفقد المخالف الفكري العاقل الرصين الإنصاف أحيانا إذا تحدث عن مخالفيه وهو معذور في هذا لطبيعة النفس البشرية. فما بالك إذا كان المخالف أقل عقلا وحكمة ورزانة؟ هل ترجو منه إنصافا كبيرا وأمانة علمية ودقة في التوصيف والرصد؟ أم هل ترجو منه حكمة وإرشادا حميدا للأجيال الجديدة وإضافة راشدة لعقولهم الغضة وقلوبهم النقية؟

الكراهية الثقافية، الإقصاء للمخالف في الرأي، الشخصنة البالغة التي تترك نقاش الفكرة إلى الغمز واللمز، الفهم المعكوس، الاتهامات الطائشة المتدنية المستوى إلى حد الشتم، الانتقائية وتحريف أقوال خصومه وتشويهها، افتقاد الحكمة والرصانة والإنصاف، هذه ثيمات ظاهرة في محمد السيف حين ابتدأ الحوار وأثار الغبار في هذا الاشتباك، وظاهرة كذلك في طريقة إدارته.

من الثيمات الواضحة كذلك أن السيف يُسقط لا شعوريا أخلاقه في هذا الحوار على خصمه: "تتخلق بالكراهية وتتربص بالناس وتتأبط الشر لهم، أصولي عقدي مغال مؤمن بالمفاصلة الشعورية مع المختلف عنهم فكريا"، وهي صفات كما ترى تنطبق عليه حذو القذة بالقذة.

يبدو لي أن "العقدة الثقافية" الكبرى عند محمد السيف والهاجس الأعظم الذي أثّر على بوصلته الفكرية في هذا الهجوم وجعل كتابته كالطالب الذي يرد كل القضايا في العالم إلى "الجمل لأنه سفينة الصحراء… الخ" ، هذه العقدة هي معركة الحداثة وحمولة الكراهية و"الكربلائية" الضخمة التي يحملها السيف سببها نتائج هذه المعركة وتداعياتها وما حصل فيها من تجاوز فكري وثقافي واجتماعي غير مرضي من كلا الطرفين كعادة المعارك الكبرى.

ومع أن الكبار الذين كانوا في قلب المعركة تجاوزوا كثيرا من آثارها السلبية بعد أن برد العقل وهدأ الفكر لكن البعض أصبحوا بعدها أكثر كراهية خصوصا إن كانوا يظنون النهاية "مؤلمة" كما وصفها السيف في أحد مقالاته، واللفظ الذي استخدمه السيف كاشف جدا فالألم الذي يحس به المريض ينقله إلى درجات من النظرة السوداوية للحياة والمجتمع الذي نعته السيف ذات تغريدة: بـ"المتخلف الذي يحكمه الإسلاميون ويسيطرون عليه"، ومع أنهم يمثلون شريحة كبيرة من المواطنين بحسب السيف نفسه، مع ذلك ينتكس ويفقد اتزانه إذا جاء ذكرهم ليبلغ قاع الكراهية والإقصاء والصلافة الفكرية.

سيظل هذا المجتمع – قبل معركة الحداثة وبعدها- متعدد الطيف الفكري وإذا ما تعاملت هذه الأطياف مع بعضها بالعلم والعدل والأدب فسيرتقون جميعا. استفاد الكبار والعقلاء من تجربة معركة الحداثة وثبتوا على صحيح أفكارهم واعتذروا عن أخطائهم ونشروا ثقافة التسامح والمحبة والإنصاف والاعتذار بين الأجيال الجديدة متسامين على ما لحقهم من أذى، فيما بقي آخرون يهرولون في جمع بقايا فحم المعركة ورمادها ليسودوا قلوبهم وعقولهم ثم ينفثونه فيرتد على وجوههم و ينقلب البصر خاسئا وهو حسير.

17