بين جنتين

الاثنين 2016/11/21

بين جنتين أقيم، جنة ترعى فيها الخراف وأخرى تسرح فيها الغزلان، يمكنني من خلف أشجار الأولى أن أرى نهرا رقراقا، تنساب أمواجه بهدوء، تقترب الطيور من سطح مياهه من غير أن ترتطم به، صورهن في مراياه تطلق نغما ينسل مثل خيط أزرق ممتزجا بثغاء الخراف المرحة الذي يصل أخضر مبتل الأوراق.

أما في الجنة الثانية فالعصف يلهم الأشياء، كل الأشياء أنوثة صاخبة تستفز الغزلان حين تراقصها وتلهو بخيالها وتسرع بخطواتها في اتجاه ما لا يُرى من الآفاق.

هناك هواء كثير وكائنات تتطاير ورقة حادة تنبعث بأبخرتها وتشق طريقها في اتجاهي مثل سكين.

أنا هنا وهناك، كما يمكن أن يكون عليه كل كائن حي، هناك رغبة في الاسترخاء يقابلها توق إلى خوض غمار مغامرة، بحثا عن الجمال الهارب.

لا يفكر الصياد برزقه فقط، متعة أن تكون موجودا في أعماق البحر من خلال رسائلك التي تبعث بها إلى الكائنات البحرية هي الأخرى تجلب الحظ السعيد.

أما وقد اخترت الكتابة طريقا للتلصص على الحياة، فهو ما يعني ثقتي باللغة طريق خلاص، وهي طريق لا علامات دالة فيها.

الكتابة هي اسم آخر للتيه، فاللغة في أحيان كثيرة لا تنجد، ما لا يسمعه المرء من أصوات كائنات حية، تعيش إلى جواره قد يكون أساسيا في فهم ما يجري من حوله.

في جنة الصمت هنالك غزل عميق وعتاب مستتر وصبر طويل، وفي جنة الصخب هنالك ما يشق طريقه إلى السماء من أدعية سرية مفتونة بالجمال الذي نذر نشيجه للعصف.

ولو لم تكن الكتابة ما كنت أحظى بالعيش في جنتين، كل واحدة منهما تنظر إلى الأخرى بحسد. المرأة الصامتة تتمنى لو أنها استعارت من المرأة المتمكنة من اللغة شيئا من حيويتها.

في المقابل تكره امرأة الكلام لغتها وتتمنى لو تلتقط من المرأة الصامتة فواصل تأملها، امرأتان هما أشبه بجنتين.. هنا الخراف مسهدة وهناك الغزلان متعبة.

كاتب من العراق

16