بين حرية التعبير وحرية التفجير

الخميس 2017/07/27

يدرك النظام القطري قبل غيره، أنه أطلق قناة “الجزيرة” في نوفمبر من العام 1996، لا لتكون وسيلة إعلام تلاحق الخبر وتحتضن الرأي والرأي الآخر، وإنما لتكون منظمة حكومية ذات واجهة تلفزيونية، تخفي وراءها وظائف إستخباراتية ودبلوماسية ودعائية ودعوية وبحثية، وأذرعا للجوسسة والاختراق الأمني والتحريض الاجتماعي والاستقطاب والتجنيد والتدريب التنظيمي المرتبط أساسا بجماعة الإخوان المسلمين لكونها تمثل الجناح السياسي داخل مؤسسة الحكم في الداخل.

وعلى امتداد 20 عاما، نجحت القناة في القيام بدورها، لا كحاضنة للإرهاب أو محرضة عليه فحسب، ولكن كمخترقة للأنظمة والحكومات وللدول وأجهزتها السيادية، وكجسر للتواصل بين تنظيم الحمدين والجماعات الإرهابية، وكغرفة عمليات في ساحات الصراع لتأجيج لهب القتال بين الفرقاء، حتى بلغ بها الأمر إلى أن تتحول إلى جهاز لرصد التحركات وتحديد الإحداثيات الميدانية والدفع بها إلى سلطات القرار السياسي لاستعمالها في خدمة تحالفات مشبوهة مع الأعداء بمختلف هوياتهم ومسمياتهم.

كما مثّلت قناة “الجزيرة” جناحا دعائيا لكل الجماعات المتمردة، والساعية للحكم بقوة السلاح، أو بالنشاط الإرهابي الممهنج من أفغانستان إلى شمال مالي، مرورا بالبحرين والعـراق وسوريا وفلسطين وليبيا واليمن ومصر والصومال، ودفعت بخبرائها وإعلامييها لتنظيم الدورات التدريبية لعصابات الإخوان ومن يتحالف معهم، وفتحت استوديوهاتها لمن تصفهـم بالناشطـين الحقوقيين والسياسيين، وهـؤلاء، في أغلبهم، من المعـارضات الراديكالية التي تتآمر ضد دولها وشعوبها ومجتمعاتها، والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بجهاز المخابرات القطري، وبالإدارة المالية للديوان الأميري، حيث يُدفع بسخاء لكل من يبدو عليه الاستعداد لتبني المشروع التخريبي في المنطقة، ومبايعة يوسف القرضاوي على السمع والطاعة.

ومنذ أوائل العام 2011 كشفت “الجزيرة” عن نفسها كمنظمة إرهابية، تقف بقوة وراء التحالف الوثيق بين الإخوان و“القاعدة”، وتقوم بالتجييش والتحريض والتشجيع على سفك الدماء وقتل الأبرياء بدعوى تأييدهم للأنظمة الحاكمة، ولعل الشعوب العربية تذكر فتاوى القرضاوي بقتل كل من لا ينضم إلى المتمردين من حاملي أجندات تياره الإسلامي وتصنيفهم على أنهم أعداء بما في ذلك عناصر الجيش والشرطة والجمارك والموظفين الحكوميين وغيرهم.

و“الجزيرة” لا ترى مانعا من فبركة الأخبار وتزييف الوقائع والتلاعب بالمعلومات واعتماد الخدع المرئية من خلال أشرطة مصورة يتم تركيبها حسب الاتجاه العام للمشروع التخريبي، إضافة إلى استضافة العناصر الإرهابية وتقديمهم على أنهم ثوار من أجل الحرية، وترويج الخطاب الداعي إلى القتل والتمرد المسلح والسبي والأسر والاستحواذ على ممتلكات عامة وخاصة واعتبارها غنائم للفاتحين تحت هتافات التكبير.

واليوم تجد “الجزيرة” من يدافع عنها باسم الدفاع عن حرية التعبير، في حين أنها لم تمارس سوى حرية التفجير: تفجير دول من الداخل وتفجير أنظمة ومجتمعات، وتفجير القنـابل والعبوات والأحزمة الناسفة.

ومن ينظر إلى مشاهد الخراب من الموصل إلى سرت، ومن حلب إلى بنغازي، ومن الرمادي إلى غزة، يدرك حجم الإجرام باسم الإعلام، كحجم الإرهاب باسم الإسلام، ويعلم أن ما فعلته منظمة “الجزيرة” الإرهابية يدخل تحت بنود الجرائم ضد البشـرية، ويوضع في خـانة الإبادة الجماعية. إن النظام القطري أول من يضحك في سرّه من كل من يدافع عن قناة “الجزيرة” كوسيلة إعلام، كونه يعرف الأكمة وما وراءها، ويعلم جيدا أنه أسـس القناة لتكون أداته التخريبية في المنطقة، ولكنه كذلك الأكثر دفاعا عن تلك المنظمة الإرهابية المتسترة بستار الإعلام، لأنه يعتبرها شوكته السامة التي لا يكون له دونها موقع في جحر العقارب.

كاتب تونسي

8