بين حواجز النظام والمعارضة تتوقف أحلام الشباب السوري

شبان سوريون يعيشون أوضاعا صعبة في ظل الحرب الدامية في بلدهم ويبحثون عن مخرج لإحداث أي تغيير في حياتهم ومستقبلهم.
الأحد 2018/03/25
نافذة أمل

دمشق - كان عدم الانخراط في الحرب مجرد مسألة حظ بالنسبة لمجموعة من الشباب السوريين، تمكنوا من الإفلات من حاجزين متتالين أحدهما لجيش النظام والآخر لفصائل المعارضة، بعد سقوط قذيفة هاون ضلت طريقها، فأنقذتهم من الالتحاق بصفوف الجيش النظامي من جهة، وتهمة العمالة للطرف الآخر من جهة أخرى.

بعيدا عن نشرات أخبار التناحر السياسي والعسكري، يعيش الشباب الأربعة في إحدى مناطق خفض التصعيد الخاضعة لسيطرة الفصائل المعارضة في جنوب سوريا، فينعمون بهدوء نسبي في محيطهم، بينما تجتاحهم ثورة داخلية في أنفسهم، مع العجز عن إحداث أي تغيير في حياتهم وأوضاعهم، وباتت أقصى أمنياتهم هي “العيش حياة عادية جدا كأي مجتمع في مكان آخر من هذا العالم”.

حلم الدراسة

زراعة المخدرات اختصاص حزب الله

كشفت مصادر محلية عن وجود عشرات آلاف الهكتارات من المخدرات، في مزارع لـ “حزب الله” في الأراضي اللبنانية والسورية، ويُشرف عليها ضباط في الحزب، ضمن حراسة مشددة على مدار الساعة. وقالت المصادر أن حزب الله لديه شبكة معقدة مؤلفة من 1600 عميل، مهمتهم بيع المواد المخدرة في مناطق النظام والمعارضة، مشيرة إلى أن صحراء السويداء القريبة من درعا، والتي تضم أغلبية عشائرية، تعتبر المركز الأبرز لترويج المخدرات، إضافة إلى منطقة اللجاة في درعا. وأكدت “دار العدل” في درعا، أن التحقيقات مع مروجي المخدرات الذين تم إلقاء القبض عليهم، أثبتت أن المورد الرئيسي للمواد المخدرة هو حزب الله، حيث تأتي المخدرات من لبنان إلى ضباط النظام في السويداء، وبدورهم يبيعونها إلى التجار الذين يوزعونها في مناطق المعارضة. كما نشرت وسائل إعلام موالية للنظام، مجموعة من الصور، قالت إنها تعود إلى حقول ضخمة ومساحات شاسعة مزروعة بنبات الحشيش المخدر، في ريف حماة. وأفادت بأن المزارعين شاهدوا الحقول في بادئ الأمر، دون معرفة ماهية المزروعات فيها، ليتبين فيما بعد، أنها تعود إلى حقول ضخمة من النبات المخدر، ومؤكدة أن المساحة المزروعة تفوق الأربعة آلاف متر مربع. وأشارت إلى أن الحقول تتواجد في أسفل المناطق الزراعية في منطقة “سهل الغاب” بريف حماة الغربي. وقالت المصادر إن سهل الغاب يخضع لثلاث قوى عسكرية أجنبية وهي “إيران، حزب الله، والمرتزقة الأفغان”، ويتزعم حزب الله اللبناني المنطقة. فيما يعتبر سهل الغاب أحد أبرز المراكز الحيوية للمرتزقة الأفغان، الذين استعانت بهم طهران خلال المعارك الضارية التي اندلعت مع المعارضة السورية في شهر أبريل من العام الفائت. وأضاف “ميليشيا حزب الله اللبناني هي الأكثر خبرة في زراعة المخدرات والتجارة بها”، فيما لم يستبعد المصدر أن يكون للمرتزقة الأفغان دور في زراعة حقول المخدرات في سهل الغاب، نظرا لنشاطهم بمثل هذه التجارة في أفغانستان وإيران. وأكد أن الحزب يورد كميات هائلة من المخدرات المستقدمة من مزارعه الخاصة في الأراضي اللبنانية، حيث باتت خلايا الحزب النشطة في هذا المجال، “مافيا” تغزو دمشق.

لا يهتم محمد كثيرا بمن يعتلي سدة الحكم في البلاد، فبالنسبة له توقفت الحياة مع انقطاعه عن الدراسة في المرحلة الإعدادية، وبعد سبع سنوات لا يزال يحلم بمقعد في جامعة دمشق التي تبعد عن المنطقة التي يعيش فيها بإحدى قرى مدينة درعا جنوب البلاد حوالي 100 كم.

محمد (23 عاما) هو نسخة مكررة لمئات الشباب في منطقته، تختصر حكايته ما آل إليه حال جيل كامل، يعصف به المجهول ويعيش يومه دون أن يعرف كيف سينتهي غده، ويقول إن المشكلة تكمن أولا في الفكر والوعي قبل أن تكون في من يحمل السلاح، ومن هو على حق ومن هو على باطل.

ويوضح محمد الذي يفضل عدم الكشف عن اسمه كاملا في تصريحات لـ”العرب”، أن المدارس الثانوية والجامعات التي أنشأها الائتلاف المعارض متوفرة في المنطقة، لكن النظام في دمشق لا يعترف بها ولا يوجد للطلاب ممر إلى خارج البلاد لمتابعة الدراسة وبالتالي لا نفع منها، وقلة قليلة ترتاد هذه المدارس والجامعات والبقية انقطعت عن الدراسة بعد الإعدادية.

ولا يختلف الوضع كثيرا في المناطق التابعة لسيطرة المعارضة بين الجنوب والشمال، حيث تبدي فاطمة وهي إحدى طالبات المرحلة الثانوية، في مدينة إدلب، عدم الرضا عن الحالة التي وصل إليها التعليم في المنطقة، بعد إخراج النظام السوري من المدينة، وتوقف الأعمال القتالية بعد الهدنة.

تقول فاطمة “بالرغم من أن العملية التعليمية والدوام في المدارس أصبح أفضل، وبدأ بعض الطلاب والمعلمين يلتزمون بالدوام اليومي نظرا للأمان وعدم الخوف من القصف، إلا أن هناك الكثير من الصعوبات التي يعيشها الطلاب، منها عدم الاهتمام بالدراسة، وعدم وجود معلمين مؤهلين للتدريس، وعدم توفر الكتب والأدوات الدراسية، وكذلك عدم قبول الشهادات الصادرة عن جيش الفتح الذي يسيطر على المنطقة لدى مؤسسات النظام أو حول العالم”.

وتتأسف لعدم قدرة الطلاب في إدلب على الدراسة في مدارس النظام، إضافة إلى أن الأسلوب السلبي الذي يستخدمه جيش الفتح في فرض اللباس الشرعي على الطالبات، جعلهن ينظرن للتعليم بشكل سلبي.

ولا يستطيع الشباب التوجه إلى مناطق سيطرة النظام لإتمام الدراسة، لأنهم إما مطلوبون وسيتم اعتقالهم في غياهب السجون، وإما سيتم اقتيادهم للقتال إلى جانب الجيش النظامي.

تعتبر فرص العمل عقدة أخرى أمام الشباب يصعب حلها، ويقول علي (25 عاما)، “بالنسبة لنا في قرى درعا، خيارات العمل محددة بمجالين لا ثالث لهما، إما في البساتين كعمال يوميين في زراعة وجني محاصيل الخضار التي تذهب إلى دمشق وباقي المحافظات، ويشترك الشباب والفتيات في هذا العمل، وإما الانضمام إلى الفصائل المسلحة المعارضة الموجودة”.

ويضيف “غالبية الشباب يفضلون الخيار الثاني، وذلك ليس لقناعة بالثورة أو أفكارها أو ضرورتها، لكن من أجل الراتب الشهري لتأمين المعيشة ومستلزمات الحياة اليومية أولا، ثم من أجل النفوذ ثانيا.

وتعد الزراعة من أكثر المهن رواجا في محافظة درعا، وعصب اقتصادها، إذ يعمل بها نحو 50 بالمئة من أهالي المنطقة، وتسعى المجالس المحلية في مناطق المعارضة للحدّ من ظاهرة البطالة بإقامة مشاريع زراعية إلا أن هذه الجهود لا ترقى إلى حلّ ظاهرة متفشية في الجنوب السوري، وليس بإمكانها استيعاب العدد الكبير من الشباب العاطل عن العمل.

وتنتقد العديد من الفتيات في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة عموما، القيادات المسؤولة عن الحياة المدنية والاجتماعية بوصفها قيادات متخلفة وتفتقد للوعي والتطور، ويعتبرن أنها لا تسمح لهن بممارسة عمل “حقيقي وفاعل” يتناسب مع قدراتهن ومؤهلاتهن.

وتشير منظمات محلية تابعة للائتلاف المعارض في مدينة إدلب إلى وجود فتيات جامعيات يعملن في غير تخصصاتهن، وغالبيتهن إما يعملن في تدريس الطالبات حصرا، وإما قد انضممن إلى المنظمات الناشطة في مناطقهن.

التدين حسب المصلحة

يشرح محمد طبيعة الحياة في قريته بالقول، “نحن أفضل حالا من جيراننا في قرى أخرى تخضع لسيطرة داعش، وقد نزح منها الكثير من العائلات التي حدثتنا عن القبضة المحكمة لداعش على أبسط تفاصيل حياة أفرادها اليومية، وفرض النقاب على النساء والزي الأفغاني على الرجال، رغم أننا بطبيعة الحال مجتمع محافظ جدا وجميع النساء يرتدين الحجاب في الأحوال العادية”.

ويستطرد، “الفصائل لا تتدخل كثيرا في حياتنا اليومية، لكن بالنسبة للفتيات الوضع أكثر صعوبة، فعند توجههن إلى مدينة درعا الخاضعة لسيطرة النظام، يتعرضن للتدقيق من قبل الفصائل عند الحواجز، وقد تتم إعادتهن إذا كن يضعن مكياجا أو لباسا أقصر قليلا من المعتاد”.

والمفارقة أن هذا التشدد الديني يقتصر على الفتيات في مظهرهن ولباسهن، في وقت تسود فيه الفوضى في المنطقة ويجد البعض من الشباب في الوضع السائد فرصة لامتهان السرقة والخطف لجني المال، فمع انعدام المحاسبة وعدم وجود ضوابط ورجال شرطة وأمن أصبحت السرقة مهنة من لا مهنة له، وبات الأمر بالنسبة لأهالي المنطقة كابوسا لا ينتهي، فلا يكاد ينقضي يوم دون السماع بحادثة سرقة أو خطف، في حين لا تجد شكاوى المواطنين آذانا صاغية لدى قادة الفصائل، الذين لا يأبهون سوى بجمع المال.

المخدرات الكارثة الكبرى

تتداول مصطلحات “الصواريخ وحشواتها” في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، لكنها ليست ذات معنى عسكري دائما، فالصاروخ هو “سيجارة الحشيش” والحبوب والمواد المخدرة هي “الحشوات”، التي بات انتشارها ظاهرة “قاتلة”. في ريف حلب الشرقي وفي درعا.

وبعد تردد طويل، اعترف محمد أن الحشيش والحبوب المهدئة والمخدرات باتت رفيقة غالبية الشباب في بلدته، قائلا، “لا حياة ولا أفق ولا أمل في المستقبل، تعترينا حالة من اليأس والملل، وتجار المخدرات ينتشرون في المنطقة بلا حسيب ولا رقيب”.

ويتابع أن المخدرات قبل الحرب لم تكن موجودة مطلقا في المنطقة، أو على الأقل لم نكن نسمع بوجودها، لكن الآن منتشرة بشكل كبير، ولا يستبعد أن يكون قادة الفصائل أنفسهم ناشطون في المتاجرة بها، نظرا لسكوتهم عن التجار والمروجين الذين يعلنون عنها بلا خوف.

بدوره، يرى الناشط عبدالرحمن، أن “انتشار المخدرات وغيرها من الظواهر السلبية هي نتيجة حتمية لحالة الفوضى التي تعيشها البلاد؛ بسبب الحرب وغياب السيطرة على الحدود”.

Thumbnail

ونوه في حديث لـ”العرب” إلى أن “المخدّرات أصبحت أحد الأسلحة الفتّاكة للقضاء على الشباب”، ولهذا يعتبر أن الميليشيات التابعة للنظام سهلت انتشارها ووصولها إلى مناطق المعارضة وإغراقها بها.

وبيّن أن الحملات لمطاردة المهربين والتجار كشفت عن “وجود كميات كبيرة من حبوب الكبتاغون، والحشيش، والقنب، والكوكايين، والهيروين، وبعض أنواع المخدرات الأخرى”.

وأوضحت مصادر من فصائل المعارضة لـ”العرب” أن النفوذ الذي يتمتع به تجار مخدرات كبار في مناطق معينة جعلت من الصعب مكافحة المشكلة التي تحولت إلى أزمة.

ويلعب تداخل خطوط الاشتباكات في المنطقة بين درعا والسويداء وتوزعها بين “الجيش الحر” وجيش النظام وتنظيم داعش، دورا في تفشي الظاهرة.

يقول أحد عناصر الجيش السوري الموجود في هذه المنطقة، “هناك جهات عديدة متورطة في هذه التجارة من النظام وأيضا من أطراف قريبة من الفصائل المسلحة، مما يجعل من الصعب ملاحقة تجار المخدرات، بل على العكس يتم دعمهم بالسلاح وتوفير الحماية لهم”.

ولا يبدو أن تجارة المخدرات ستشهد مكافحة حقيقية في الوقت الراهن أو القريب، لذلك لا سبيل إلا الاعتماد على الرقابة الأسرية وتوعية الشباب من هذه الكارثة.

19