بين خطابي أوباما.. وعبدالله الثاني

السبت 2013/09/28

لا يزال البحث مستمرا عن مخرج لسوريا من أزمتها. كان الخطاب الذي ألقاه أوباما في الجمعية العامة للأمم المتحدة خطاب رئيس متردد، لا يعي أن مشكلة سوريا ليست فقط في السلاح الكيميائي الذي استخدمه الأسد ضد شعبه. إذا كان على الأسد الرحيل اليوم قبل غد، فإن ذلك عائد إلى تاريخه الطويل القائم على سياسة إلغاء الآخر من أجل البقاء في السلطة… حتى لو كان هذا الآخر الشعب السوري كله. هذا الشعب الذي صار في مفهومه – وفي المفهومين الإيراني والسوري- مجموعة «إرهابية» تنتمي إلى «القاعدة» وما شابه «القاعدة».

يفترض، قبل كل شيء، عدم الربط بين رحيل الأسد والكيميائي. هناك ألف سبب وسبب لضرورة الانتهاء من النظام السوري الساقط أصلا لفقدانه علّة وجوده. كان الكيميائي آخر هذه الأسباب وليس أولها. فمرة أخرى، لابدّ من التأكيد أن قضية سوريا هي قضية شعب ثار على نظام فئوي ظالم وأن «مستقبل الأمن في العالم سيتشكّل بناء على ما يحدث في الشرق الأوسط الآن» على حد تعبير الملك عبدالله الثاني الذي تحدث أمام الجمعية العمومية في اليوم الذي تحدّث فيه الرئيس الأميركي.

ربما كان الجانب الإيجابي الوحيد في خطاب أوباما، بالنسبة إلى سوريا، يتعلّق بتأكيده أن الأسد الابن لا يمكن أن يكون جزءا من الحلّ وأن عليه الرحيل. لم يتردد في ترديد ذلك منذ فترة طويلة، لكنه لم يفعل شيئا من أجل رسم خارطة طريق تساعد السوريين في إعادة بناء بلدهم والمحافظة على وحدته.

صارت سوريا في المرحلة الراهنة تعبّر عن الأزمة العميقة التي يعاني منها الشرق الأوسط من جهة والجوانب المتعددة لهذه الأزمة من جهة أخرى. لذلك من الأفضل لأوباما وغيره من زعماء الدول التمعّن في خطاب العاهل الأردني الذي يمكن القول إنه من الخطابات القليلة التي سعت إلى مقاربة شاملة لما يشهده الشرق الأوسط، ولما يمكن أن تكون عليه المنطقة.

نعم، يفترض برئيس الدولة العظمى الوحيدة في العالم الاستفادة من تجارب أهل المنطقة، بما في ذلك عدم عزل الأزمة السورية عن كلّ ما يحيط بسوريا. الأهمّ من ذلك كله، لا يمكن عزل الأزمة السورية عن ظاهرة التطرّف الديني في الشرق الأوسط. ما هو أكيد أن التباطؤ في التخلص من الأسد يساهم في تحويل سوريا كلّها ملاذا للإرهابيين، على غرار ما حصل في الصومال التي لا تزال تعاني من ترك أراضيها، قبل عشرين عاما، مرتعا لعصابات خطرة تهدد الملاحة في البحر الأحمر، وترسل من ينفّذ مجزرة في العاصمة الكينية نيروبي. هذا حصل قبل أيام. ما زالت تداعيات الحدث تتفاعل!

إن قراءة متأنية في خطاب عبدالله الثاني يمكن أن تساعد في فهم ما يجب عمله في سوريا، بدل الاكتفاء بالتركيز على استخدام الكيميائي. لم يكتف ملك الأردن، بالتحذير من تدفق اللاجئين السوريين على دول الجوار، من بينها الأردن. بل سعى إلى شرح ما هو على المحك في سوريا حيث أن «كارثة دولية تمثل تحدّيا أمنيا عالميا».

دعا المجتمع الدولي إلى «التحرك لتسريع عملية الانتقال السياسي في سوريا لإنهاء العنف وإراقة الدماء وإزالة خطر الأسلحة الكيميائية واستعادة الأمن والاستقرار والحفاظ على وحدة سوريا وسلامة أراضيها». إضافة إلى ذلك، «يجب أن تتركز العملية الانتقالية على إشراك جميع السوريين في بناء مستقبل وطنهم». إنه يعني بذلك أنّه يجب اشراك العلويين في أي حلّ يمكن التوصل إليه بصفة كونهم من مكونات المجتمع السوري والدولة السورية. ليس طبيعيا الانتقام من المواطنين العلويين بسبب ما ارتكبه النظام الذي استخدم طائفة بكاملها لزرع الانقسامات في صفوف الشعب السوري، وتحويل سوريا إلى بلد طائفي ومذهبي ومناطقي.

وصل الأمر بالنظام إلى جعل النزاع القائم نزاعا ذا طابع مذهبي بعدما حوّل سوريا إلى مستعمرة إيرانية من جهة، واستعان من جهة أخرى بمقاتلين من «حزب الله»، أي بمليشيا مذهبية لبنانية من أجل الدفاع عن مواقعه في مدن ومناطق معينة!

كان خطاب عبدالله الثاني أكثر من واضح بالنسبة إلى ما يمكن عمله مستقبلا. كان واضحا لجهة الدفاع عن الإسلام الحقيقي في وجه ما يتعرّض له حاليا بسبب المتطرفين والإرهابيين. استعاد اللقاءات التي استضافتها عمّان أخيرا ومن بينها المؤتمر الذي خصص لمواجهة التحديات التي تواجه المسيحيين العرب. تطرّق أيضا إلى مؤتمر انعقد حديثا في عمّان وجمع أكثر من مئة من أبرز العلماء المسلمين من كلّ أنحاء العالم. اعترف هؤلاء في ختام لقاءاتهم بأنّه «لا يوجد نموذج معتمد للدولة الإسلامية»، وأكّدوا أن «الدولة الإسلامية الحديثة ينبغي أن تكون دولة مدنية قائمة على المؤسسات وعلى دستور جامع يرتكز على سيادة القانون والعدالة وحرية الرأي والعبادة، ودعم المساواة بين مختلف الفئات العرقية والدينية». في استطاعة الرئيس الأميركي تفادي الاكتفاء بالمواقف المترددة أو تلك التي تقتصر على قول كلام كبير من نوع ضرورة رحيل الأسد، ولكن دون تحديد الخطوات العملية لذلك.

ما يمكن قوله عن سوريا الآن، هو أن النظام انتهى. لن يكون هذا النظام قادرا على إعادة وضع يده على البلد في يوم من الأيام. السؤال ماذا بعد؟ هل هناك خارطة طريق للمستقبل، أي لليوم الذي يرحل فيه النظام؟ الجواب بكلّ بساطة أن بعض التواضع ضروري، حتى لرئيس أميركا، وأنّ من المفيد الاستفادة من خبرة أهل المنطقة، خصوصا من كلام العاهل الأردني، إلا إذا كان الأميركيون يريدون تكرار تجربة جورج بوش الابن في العراق.

أسقطت الولايات المتحدة صدام حسين ونظامه… ولكن ما تبيّن سريعا أن لا تصور لديها للعراق في مرحلة ما بعد سقوط النظام. الآن هناك من يأتي ليقول أن هناك سبيلا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سوريا. المهمّ أن يكون هناك من يريد أن يسمع وأن يتعلم من تجارب الماضي القريب جدا… لا أكثر ولا أقل.


إعلامي لبناني

8