بين فخامة المعمار اللغوي عند عبد الرزاق عبد الواحد وهامشية اليومي عند سركون بولص

الاثنين 2015/11/09
شاعر من جيل الرواد عاش آلام وطنه ومات في باريس

حين أخبرني صديق لي أنه زار الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد في بيته، وعن حفاوة الأخير به وهو الشاب الصغير المراهق ابن السابعة عشرة، استأت من صاحبي، كنتُ أرى أن التقرب إلى شعراء السلطة خط أحمر، إلاّ في ما تفرضه ظروف الحياة، فكيف والأمر هنا زيارته في بيته، في حين كانت زيارة الشاعر محمد علي الخفاجي أو الوقوف معه تمثل لي رمزية لمعارضة السلطة القائمة آنذاك.

لكن موقفي هذا لم يمنعني من متابعة ما ينشر في صحف ومجلات ومطبوعات أخرى، واقتناء مجاميعهم الشعرية والأدبية، وكنت أنصت لهم بشكل جيد ولا سيما المميزين حين يعرض لنا تلفزيون العراق القناة الأولى (التاسعة سابقا) أحد هؤلاء وهو يتلو شعره، في مناسبات أو فعاليات شعرية، وعلى الرغم من ميلي الشديد إلى الحداثة ولكن سعة اطلاعي على دواوين الشعر العربي القديم، زرعت فيّ حب الشعر مهما كان جنسه وشكله وموضوعاته، لأن هاجسي الشعر النقيّ حتى لو كان لدى مداحين لسلطات أتناقض معها، لأن التفريق بين الفني والسياسي مبدأ ثابت عندي.

كانت لغة الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد تُسمّرني بقوتها ورصانتها وجزالتها، أحسها تدغدغ ثقافتي الشفاهية، وأعني بالشفاهية كل جملة ونسق وأسلوب تكرر في القول حتى أضحى شائعا ومستساغا للأذن تطرب عليه لتعودها، فكثرة التكرار روّضَ الأذن التي بدورها روّضت الذائقة، لكنني لم أشعر بانخطاف وانجذاب مثلما كان يفعل شعر حسب الشيخ جعفر وسامي مهدي وجماعة كركوك (سركون بولص، صلاح فائق، فاضل العزاوي، مؤيد الراوي، جان دمو) وما يفعله شعراء آخرون مثل عيسى حسن الياسري وأدونيس ومحمد الماغوط وشعراء لبنانيين، والجيل الذي يصغر هؤلاء بسنوات قَلَّتْ أو كثرت، منهم صاحب الشاهر وزاهر الجيزاني وعقيل علي ورعد عبدالقادر وكمال سبتي وأمل دنقل ومحمد عفيفي مطر ولا يمكن أن أغفل الرواد، فجميعهم قرأتهم بمحبة وكانت قصائدهم تتراوح بين الإعجاب الشديد والاستحسان. معظم مَن قرأت لهم لم أجد دافعا قويّا لإعادة ما أنجزوه، باستثناءات بسيطة يقف في مقدمتها سركون بولص الأقرب إلى ذائقتي وصلاح فائق وعقيل علي ووديع سعادة وبعض كتابات لشعراء كثيرين ومن أجيال مختلفة، مثل أنسي الحاج الذي أحببت مقالاته أكثر من شعره ولا يعني قولي هذا انتقاصا أو تقليلا من أهمية منجزه الشعري، لكن مقالاته كانت تسمرني بدقتها وكأنه يزن كلماته بالمثقال (خمسة غرامات وهو وزن الذهب في العراق، الحرفة التي اشتهر بها الصابئة قوم الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد)، دقة أنسي الحاج في مقالاته يعادلها في الضفة الأخرى فخامة المعمار اللغوي عند عبدالرزاق عبدالواحد.

شاعر بمعمارية لغوية نادرا ما قرأتُ لشاعر حيّ مثله، أنسي الحاج صائغ ذهب الكلام في نثره، وعبدالرزاق عبدالواحد الصابئي بحرفة صياغة الذهب يصوغ معمارا لغويّا تطرب له الأذن والذائقة الشفاهية، لكن الذي تملكته الحداثة مثلي ويغبط الشاعر سركون بولص، يُدهشه كيف استطاع الأخير أن يسحب اللغة المتبخترة في أبراجها العاجية التي وظفها عبدالرزاق عبدالواحد توظيفا جيدا وناجحا، كيف استطاع الفتى الكركوكي الفقير أن يسحبها إلى الشواطئ ومحلات كركوك القديمة وأزقتها وإلى هواجس ابن الأقلية المزدوجة لغويّا ودينيّا.

عبد الرزاق عبدالواحد الصابئي وأنسي الحاج العربي المسيحي وسركون بولص السرياني المسيحي، الأول أعلى من معمارية اللغة العربية بفنّه التقليدي (الكلاسيكي) والثاني بشعره المختلف في أمرين الأول أنه لم يكتب وزنا والثاني كانت لغة الكتاب المقدس مهيمنة عليه، لم تهيمن لغة “كنزاربا” كتاب الصابئة المقدس على شعر الأول، بل لغة القرآن الكريم، وكان ينصح كل مَن يسأله من الشعراء الشباب أن يقرأ القرآن ويحفظ منه كثيرا.

في حين نجد ثالثهم سركون بولص وهو الوحيد بين الثلاثة يختلف في أدقّ أمرين وهما اللغة (القومية) والدين، وإن تشابه معهما بكونه غير مسلم، وتشابه بالمسيحية مع أنسي الحاج، لكن سركون بولص لغته الأم أو الأولى غير العربية، هل لهذا السبب أنجز سركون بولص مهمته في جعل لغته العربية تتمطى في الشارع، وتمشي في الأسواق بلا خدم وبهرجة، لغة لا أحب الزعم أنها تنتمي إلى الهامش، لأن عبدالرزاق عبدالواحد ينتمي إلى الهامش وليس إلى المركزية العربية الإسلامية السنية، بل إن تاريخنا يحفل بشعراء وأدباء ينتمون إلى الهامش اللغوي أو العقائدي ولكنهم كتبوا بلغة فيها زخرف القول، ومؤثثة بروح ملوكية وكهنوتية.

على الرغم مما تناهى إلى مسامعي من أن أم سركون بولص مسيحية مصلاوية أي عربية، في حين والده سرياني من حكاري (في تركيا الآن) لكني أميل إلى القول إن وعي أنسي الحاج وسركون بولص للحداثة كان نابعا من قراءات مختلفة شكّلت وعيهما الأول، في حين الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد شكّل التراث والقرآن وعيه المبكر، وهو الذي كان يجاهر بحقيقة تسامح وتمازج وتعاشق مع الثقافة العراقية عبر زيارات أمه المتكررة، وهو معها، إلى أضرحة الأولياء المسلمين كالإمام علي بن أبي طالب في النجف وأبنائه في كربلاء وأحفاده في بغداد وسواها من مناطق العراق، مثلها مثل أي مسلمة ريفية.

الفخامة في معمارية لغة عبدالرزاق عبدالواحد لم تعد تغريني إلاّ في حالات نادرة أشعر فيها بطغيان الحس الإنساني على قصائده وهي قليلة قياسا بسلطوياته، أقول سلطوياته استنادا على قوله في قصيدة له “أنا شاعر سلطوي”.

ومع تقدم العمر وكثرة القراءات، تصبح القراءة منفعة بالنسبة لي، والمنفعة هنا ليست سلبية بل هي جوهرية، أنا أحاول أن أكتب الشعر، وأميل إلى الحداثة، وأن قصيدة مثل قصيدة سركون بولص تتفق مع ميولي وهواجسي وذائقتي، بينما قصيدة عبدالرزاق عبدالواحد تقف على النقيض من قصيدة سركون بولص.

لا يميل قولي إلى إساءة أو تقليل لما أنجزه عبدالرزاق عبدالواحد، فأنا أفرّق بين فنية القصيدة عنده وبين شعره السلطوي ومدائحه الكثيرة لشخص تسبب في تدمير بلدي من وجهة نظري، وتغييب العشرات من أهلي وأقاربي ومعارفي، وهذا شأن آخر لا علاقة له ببناء القصيدة التي أتناولها هنا واستفزازها لذائقتي أو لشفاهيتي مثلما أوضحت فهمي للشفاهية في بداية المقال.

15