بين قشرة الجوز وقشرة الإجاص

لا بد من تعزيز قدرة الدولة على تجسير الهوة بين الريف والمدينة وتهذيبها إلى مشتركات المساكنة وتحويلها إلى فهم لمغزى العيش المدني وحدودها.
الخميس 2019/02/21
الوطنية وحدها التي تهذب السلوك

بعض المجتمعات تراجعت وتكاد تكون في حالة نكوص حضاري نتيجة سطوة تريّفها وإشاعة قيم الريف وأطراف المدن التي زحفت على مراكزها.

وهي ظاهرة لم تُراجع في حيثياتها ومسوغاتها ودينامياتها من قبل باحثين أكفاء، بعد أن قسمت المجتمعات العربية المعاصرة إلى واجهات وشيع تتعارض قيم سكانها وسلوكياتهم، فأبناء الواجهة الريفية تجدهم حساسين لكراماتهم ويفخرون بقيمهم القبلية إلى حد المبالغة المفرطة وتراهم يباهلون بـ”عراضاتهم” و”مهاويلهم” وهم شعراؤهم المحرضون من حاملي بيارق العشائر والقبائل حتى صارت علامة من خصوصيات البيئات الريفية، لكنهم دوما أهل مروءات وشهامة حالهم مثل ثمرة الجوز، يبدون قساة أشداء صارمين من الخارج لكنْ في داخلهم لب أبيض.

أما أبناء المدن الأصليون فهم متحضرون واقعيون يعرفون حدود الأشياء وقيمة العلاقات العامة لذلك تراهم مؤسسين صبورين تؤرقهم النفعية والتحضر وتغريهم المدنية التي تهذب حياتهم وتعرّفهم حدود الأشياء وجدوى التعاملات وهم في الغالب مثل ثمرة الإجاص تبدو لينة من الخارج لكنها بثمرة صلدة من الداخل.

شاءت الأقدار أن تتبلور ثقافتي الجنوبية بين الحياة البغدادية منذ الصبا، التي هذبتها حضارة الخمسة عشر عاما الأخيرة، حين شاركت بمئات الفعاليات التي صقلتني والثقافة والدراسة الطويلة التي تزيد عن نصف عمري باحثا في العلوم السلوكية.

وأدركت مغزى ومسوغات سلوك مواطنيّ بين الريف والمدينة، وأدعي بأني أفهم معنى المساكنة في المدن الكبرى.

أدركت أن لا سبيل غير الوطنية وحدها التي تهذب السلوك والمروءة تقوّم الشخصية وأن كرامة أهلنا الريفيين المبالغة التي يعدّونها قيمة عليا تُصقل في فهم كرامات الآخرين من أي مشارب ومجتمعات انحدروا، لا على أساس أعدادهم وحشودهم وبراعة “مهاويلهم” التي يتباهون بها.

لا بد من تعزيز قدرة الدولة على تجسير الهوة بين الريف والمدينة وتهذيبها إلى مشتركات المساكنة وتحويلها إلى فهم لمغزى العيش المدني وحدودها كونها انتقالا إراديا للريفيين الميسورين وليس هروبا قسريا من العوز، الذي يثري عقد الانتقام مِن دعة العيش في المدن ومعاقبتها عن سني الحرمان عقودا عاشت خلالها الأرياف في ظل أخطاء إجرائية متراكمة ارتكبتها سلطات غاشمة لم تمد يدها إليهم لتطويرهم.

ولدت مجتمعات الفقر والعوز واليتم الحضاري الذي أنتج العشوائيات في العديد من مدننا العربية وليس في العراق وحده. مع إشاعة قيم العمل وتطوير آليات الإنتاج ورفع إنتاجية الأفراد حين يقررون الانتقال إلى المدينة والامتثال لقوانينها وظروف السكن فيها وإدراك معنى الانصهار في أجواء ثقافتها وتنوعها وتعطيل الأثرة والاستحواذ بدافع التعويض المستمر الذي تزيده غلوّا هيمنة أبناء أطراف المدن وريفها على السلطة وحكم المدن الوادعة.

24