بين لبنان واليمن

الثلاثاء 2015/04/28

بين لبنان واليمن بلاد وحدود خلف حدود وصحارى وآلاف الكيلومترات، ولكن، لو كان للعرب أن يعيشوا مرحلة استقرار ورخاء نسبي لوجدت آلافا من اللبنانيين يزورون اليمن، صنعاءه وعدنه وتعزه، ويرتادون شواطئه جنوبًا وغربًا وسوقطرةً، ويتسلقون جباله وناطحات سحابه الطبيعية العجائبية، ولوجدت بالمقابل آلاف اليمنيين يرتادون شواطئ لبنان ويلعبون على ثلوج جباله ويزورون معالمه الطبيعية والتاريخية ويحفلون بصداقات وطيدة مع أبنائه، ويقيمون اللقاءات الثقافية والفنية في ربوعه.

قد لا تتعدى مصالح اللبنانيين في اليمن الواحد بالمئة من مصالحهم في أي بلد عربي خليجي، وقد لا تناهز مصالح اللبنانيين في أي قطر عربي آخر، ولكن ما يربط اللبنانيين باليمن هو أبعد من المصالح الاقتصادية وأوثق من السياسة، وأشد من التحالفات الوقتية مهما كانت خلفياتها، إنها علاقة ذات أبعاد إنسانية أساسها الود والانتماء المتبادل بين أبناء البلدين، قد تكون لطبيعة البلدين علاقة بتشكلها وقد تكون للأصول اليمنية لكثير من العائلات اللبنانية صلة بها أيضا. وهنا أتحدث عن اللبنانيين وليس عن القوى السياسية المتحكمة برقابهم، كما عن اليمنيين وليس عن القوى والعصابات التي حكمتهم وتحكمهم وتصادر طاقاتهم ومواردهم وحاضرهم ومستقبلهم.

لست في معرض أحلام ولا تمنيات ولكنها حقائق ملموسة تجسدت في وقفات التضامن الرائعة التي وقفها الشعب اليمني الى جانب أشقائه في لبنان كلما ألمت بهم الأهوال سواء في الحرب الأهلية أم في مواجهة الاعتداءات والاجتياحات الصهيونية. هذه الوقفات التي لم يقابلها حتى الآن من اللبنانيين، في ظل ما يتعرض له الشعب اليمني من نكبات، أية وقفة تضامنية تعبر عن عمق العلاقة الإنسانية التي تربط فعلا بين الشعبين. والسؤال هنا: ما الذي يكبل إرادة اللبنانيين ويمنعهم من إعلان تضامنهم الإنساني، غير السياسي المبتذل، مع أشقائهم اليمنيين؟

وهنا، لا تعنينا مواقف التضامن الكاذبة التي تطلقها قوى السلطة وبالأخص حزب الله، الذي يشهر انحيازا لقوى السلطة اليمنية التي أسقطتها ثورة الشعب اليمني بزعامة المخلوع علي عبدالله صالح المتحالف مع الحوثيين الذين يحركهم نظام الملالي في طهران، والذي يستغلهم ويستغل تحالفهم هذا لتحقيق أهدافه الخبيثة، وفي طليعتها الانتقام من الشعب اليمني وثورته ولجعل محاسبته على جرائمه بحق هذا الشعب أمرا غير وارد، أما الهدف الثالث فهو العمل على إعادة إنتاج نظامه العائلي المافيوي من خلال إفساح المجال لابنه أحمد للوصول إلى السلطة، ولو على بلد مدمر وشعب محطم.

وإذا كان حزب الله يحاول أن يلعب دورا إيرانيا، وليس لبنانيا، وبتكليف من نظام ولاية الفقيه، في الأزمة اليمنية، من خلال حملة التهويش التي يقودها حسن نصرالله، فإن تواري حلفائه عن المشهد لا يمثل ما يراه البعض افتراقا سياسيا في المواقف بين حزب الله وحلفائه حول الأزمة اليمنية، ولكن ذلك التواري يعود لأسباب مصلحية لا تقل في خستها عن الموقف الذي يعلنه حزب الله. فالحليف الأبرز لهذا الحزب على الساحة اللبنانية هو تيار الجنرال ميشال عون الذي ما انفك يحلم بمنصب رئاسة الجمهورية، والذي يضعه حزب الله كمرشح “عقدة” في محاولته المستمرة للإبقاء على الشغور في هذا المنصب لأطول فترة ممكنة. ولكن الجنرال يعتقد أن ممالأة المملكة السعودية يقربه من هذا المنصب. لذلك فتياره يتحاشى التورط مع حزب الله في مواقفه من قضية اليمن. وهذا يتم بالتنسيق مع حزب الله، لا خلافا لإرادته.

أما حركة أمل برئاسة نبيه بري فتنأى بنفسها أيضا بنفس القدر، بعد أن طرح نبيه بري نفسه مبادرته لحوار يمني في بيروت للخروج من الأزمة. وبالتالي لرفع رصيده لدى دول الخليج بنفس القدر لدى طهران.

بالمقابل، نجد أطراف 14 آذار تعلن تأييدها للسعودية ولعاصفة الحزم، وتطلق الحملات الكلامية ضد حزب الله وإيران، ولكنها تتجنب الحديث عن اليمن وعما يعانيه اليمنيون من جرائم علي عبدالله صالح، وإذا اضطروا للحديث عن اليمن، فيتوقفون عند الحوثيين وانقلابهم على الشرعية.

رفعت القوى السلطوية في لبنان جدرانا من الوهم بين اللبنانيين تمنعهم من التلاقي للتعبير عن شعورهم على سجيته، ولكنها أيضا تضع نصب أعينهم أنهم ليسوا بمنأى عن انفجار يتهددهم، لذلك نراهم لا يحركون ساكنا حيال ما يدور حولهم من مآس، حتى أن تضامنهم مع الشعب السوري يأتي صامتا، ولن يكون غير ذلك حين يتعلق الأمر باليمن. وبذلك يخلو الفضاء لصراخ الطغاة.

وهنا نرى الافتراق الكامل بين الشعور العام لدى اللبنانيين، وبين مواقف القوى السلطوية المختلفة حيال ما تعانيه الشعوب العربية من كوارث على أيدي عصابات سلطوية “زميلة”، فالأول تحكمه الروابط الإنسانية العميقة والتضامن بين الشعوب، أما الثانية فتحكمها المصالح السياسية والارتباط بالأجندات الإقليمية لقوى الهيمنة.

كاتب لبناني

9