بين مانديلا ونقيضه القذافي

الخميس 2013/12/19

علاقة ملتبسة جمعت بين شخصين يمثلان أعلى درجات التناقض، هما المناضل الأسطوري نيلسون مانديلا، والطاغية الليبي الراحل معمر القذافي، ولابد من محاولة إلقاء بعض الضوء على سر هذه العلاقة وكيف بدأت وكيف جمعت بين النقيضين، وكانت البداية، ونيلسون مانديلا في آخر أيام سجنه، وقد بدأت مفأوضات بينه وبين فريديريك دي كليرك رئيس نظام بريتوريا العنصري، الذي تقاسم معه جائزة نوبل عام 1993، لإنهاء الحكم القائم على التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا، حيث ذهب وفد من طرابلس يحمل صكا مقداره ثلاثمئة ألف دولار، قيمة الجائزة الممنوحة لمانديلا، إذ أن القذافي في لعبة الأقنعة التي كان يجيدها، أراد أن يرتدي قناع المدافع عن حقوق الإنسان، وتقرر أن تعطى في أول دورة من دوراتها إلى رجل له سجل نضالي يحترمه العالم برمته وهو نيلسون مانديلا.

ولم يكن غريبا أن يقبل مانديلا الجائزة التي وصلت إليه في وقت حاسم، يحتاج فيه إلى المال من أجل الحملة التي يديرها لإسقاط النظام العنصري وإحلال نظام أكثر عدلا وإنصافا وإنسانية محله، ثم إنه رجل لم تكن له موارد ولا إمكانيات مالية، وينتمي إلى حزب فقير مناضل هو حزب المؤتمر، كما أنه لم يكن ضروريا وهو في عزلة السجن خلال مدة حكم القذافي، أن يكون عارفا بالسجل الإجرامي لصاحب الجائزة، بل بالعكس من ذلك، يمكن أن تكون قد رشحت له في سجنه أشياء إيجابية عنه، مثل القول بأنه يسير على نهج عبد الناصر، وأن عبد الناصر كان قد أشاد به قبل وفاته، واعتبره الوريث الشرعي لتراثه النضالي، مع العلم بأن مانديلا كان محبا لعبد الناصر، وكان على موعد للقاء الزعيم المصري قبل أيام من القبض عليه.

انتصرت قضية مانديلا وقضية شعبه، وخرج ليدير وطنا تخلص من الحكم العنصري، ولم يعرف العالم موقفا متميزا لليبيا من قضية النضال في جنوب أفريقيا، ولكن الطريقة العشوائية التي أدار بها القذافي سياسة بلاده الأفريقية، كان يمكن أن تصل جزافا إلى دعم فريق من العاملين في الحقل النضالي ببلاد نيلسون مانديلا، ولابد أن يكون فريقا عنيفا يعتمد القتل أسلوبا في النضال، لأنه لن يقوم بدعم جهد مسالم متسامح كالذي ينتهجه حزب المؤتمر، ويكفي أن نشير إلى موقفه الداعم لفريق مناهض للحلول السلمية ضد العنصريين، يقوده روبرت موغابي، في دولة كانت تتقاسم نفس الهم مع جنوب أفريقيا، هي روديسيا، وكان موغابي يحظى بدعم القذافي، وظل يحظى به حتى بعد أن تحول إلى طاغية، وصفى كل زملاء النضال واستفرد بالحكم الأبدي الذي لن يتركه إلا بالموت، حيث أن القذافي لم يكن يفرّق بين حق وباطل وبين عدل وظلم، بدليل أنه كان الداعم الأكبر لكل طغاة أفريقيا من توم بالباي، إلى تشارلز تيلر، إلى صامويل دو، إلى إثنين من أكبر مجانين الحكم في العصر الحديث وهما بوكاسا وعيدي أمين دادا.

طبعا سعى القذافي وبكل قوة ومثابرة وإلحاح إلى الاستفادة من العلاقة بنيلسون مانديلا، واستخدامه كغطاء في مراحل التأزم التي عاشها بعد اكتشاف جريمة لوكربي، وملاحقته بسبب هذه الجريمة، ووضع بلاده تحت الحظر والمقاطعة، فكان يحاول أن يشتري صداقة مانديلا بأي ثمن، ولكن مانديلا لم يكن ينتمي لبلد فقير مثل النيجر أو تشاد أو مالي أو بوركينا فاسو، حيث كان القذافي يشتري ولاء الحكام، ويشتري في نفس الوقت ولاء التنظيمات المعادية لهم، لكي يمضي معهم في لعبة الابتزاز والاستغلال إلى أقصى مداها، فهو لا حاجة به ولا لبلاده بأموال القذافي والخضوع لابتزازه واستغلاله، ومع ذلك ظل مانديلا صديقا للقذافي، يتوسط له لدى قادة أوروبا ويسخر نفسه لخدمة أغراضه. وكان أدنى هذه الأغراض وأكثرها ابتزازا لمانديلا، عندما أرسله إلى اسكتلندا، لكي يتوسط في إطلاق سراح المدان في جريمة لوكربي عبد الباسط المقرحي، وهي مسألة جلبت اللوم والتقريع لمانديلا، إذ كيف يتوسط لإطلاق سراح رجل مدان بقتل 270 روحا بريئة، من مختلف مناطق العالم.

واعتقد أن مانديلا كان يعلم أنه يسير في طريق خاطئ، ولكنه يفعل ذلك لدرء خطر أكبر سيلحق الأذى ببلاده وشعبه، وهذا الخطر هو زوجته السابقة ويني مانديلا، التي احتلت مكانا متقدما في قيادة الشارع السياسي في بلادها، واستغلت الفراغ الذي تركه زوجها بعد سجنه، وقادت الحملات الشعبية لإطلاق سراحه، ووضعت نفسها في موقع الوريثة لزوجها القائد السجين، وتميزت بسلوكها العنيف في معاملة الخصوم إلى حد جرائم القتل. وكان أول إجراء قام به بعد خروجه من السجن، هو الانفصال عنها بالطلاق، لكنه لم يكن يستطيع أن يسلبها المكانة القيادية التي وصلت إليها خاصة في أعين البسطاء السود في البلاد، وأرادت في مرحلة من المراحل الاعتماد في دفع المال على العقيد معمر القذافي، وكان الأخير يريد منفذا لإفساد هذه المصالحة التاريخية في جنوب أفريقيا.

ولكن مانديلا كان بالمرصاد، ليحول بين زوجته السابقة التي يعرف خطورتها ونواياها الشريرة، ويعرف أن عينها على خزائن القذافي والأموال الطائلة التي يملكها، ويتصرف فيها بلا حسيب ولا رقيب ولا رادع قانوني أو أخلاقي، فكان لابد أن يقترب من القذافي اقترابا أجاد الطاغية الليبي استغلاله إلى أبعد حد.


كاتب ليبي

9