بين مجمع التحرير ولندن

كانت أول صدمتي ببيروقراطية البريطانيين قد بدأت مع ملء استمارة الحصول على تأشيرة الدخول.. فقد استغرقتُ أسبوعا كاملا وأنا أحاول استكمالها والإجابة عن كل الأسئلة التي تضمنتها.
الأربعاء 2018/06/06
إجراءات روتينية لا تنتهي

بعد أيام قليلة جدا من وصولي إلى القاهرة بداية عام 2006.. رافقني أحد أصدقائي المصريين إلى وزارة التربية لاستكمال أوراق تسجيل ابنتي في المدرسة.. كنت أقف مذهولة أمام جمال المبنى الذي بني عام 1872.. وكان قصرا تملكه الأميرة فائقة ابنة الخديوي إسماعيل حتى اشترته الحكومة المصرية عام 1931 ليصبح منذ ذلك اليوم مبنى وزارة التربية والتعليم.. وقفنا في حديقة القصر عند تمثال رفاعة رافع الطهطاوي نتبادل أطراف الحديث بانتظار وصول أحد الموظفين.. وبادرني قائلا بأسف: “أعلم كم ستعانين معنا هنا.. فهنا معقل البيروقطراقية!”.. فضحكت ملء قلبي وقلت له: “وهل تظنني قادمة من سويسرا؟.. أنا قادمة من عراق الدكتاتورية والحروب والحصار والاحتلال.. أنا قادمة من معقل الكوارث يا سيدي!”.

ولكنني عانيت فعلا من البيروقراطية ومن طول حبال الدوائر الرسمية والمؤسسات الحكومية في مصر.. ولي أن أعترف أنني عانيت عشرات المرات أكثر مما كنت أعانيه في بلدي.. وطالما بكيت بكاء مريرا لإحساسي بأن كل ذلك سببه كوني عراقية في بلد غير بلدي.. لكن أصدقائي المصريين الطيبين كانوا يؤكدون لي دائما بأنهم جميعا كانوا ومازالوا يعانون مثلي..

كنت.. وأنا أذهب في رحلات شبه يومية إلى مجمع التحرير من أجل استكمال إجراءات الحصول على إقامة أو طلب تأشيرة دخول لأحد أفراد العائلة أو.. أو.. إلى آخره.. استعيد تفاصيل معاناة عادل إمام في فيلم الإرهاب والكباب.. وكنت في كل مرة أتمنى من صميم قلبي أن أستطيع فعل ما فعله فأثور عليهم ولو بالخطأ.. وأنتزع حقي ولو بالقوة!..

وإذ دخلت المملكة المتحدة عام 2011.. كنت أتوقع ما لقنوني إياه في بلادنا.. ولا أدري من الذي أقنعنا مؤكداً بما لا يقبل الشك أن الدول المتحضرة هي متحضرة في كل شيء.. وأن كل ما نعاني منه في بلادنا غير موجود في بلادهم.. فالغرب المتحضر مثلا لا يعترف بكثرة الأوراق والمعاملات الرسمية والإجراءات الطويلة المقيتة.. وكل شيء عندهم سهل ويسير ومتاح للجميع.. هكذا قالوا لنا.. وأكّدوا أن التحضر يعني التخلص من كل الزوائد والرتوش.. وأن البيروقراطية انقرضت في عالمهم ولم تعد موجودة إلا في بلادنا.. بيد أن الواقع غير التوقع في كثير من الأحيان.. وقد فاجأتني الحياة في بريطانيا بما لم يخطر لي على بال..

كانت أول صدمتي ببيروقراطية البريطانيين قد بدأت مع ملء استمارة الحصول على تأشيرة الدخول.. فقد استغرقتُ أسبوعا كاملا وأنا أحاول استكمالها والإجابة عن كل الأسئلة التي تضمنتها وقد زاد عددها في ذلك الحين عن 185 سؤالا.. (وأعتقد شبه جازمة بأن هذا الرقم في تصاعد دائم!)..

وبعد وصولي صرت أواجه هذه المشكلة بشكل شبه يومي.. وأجد الناس حولي متعايشين مع الفكرة ولا يجدون من ضير فيها.. فأنت هنا مطلوب منك أن تملأ الاستمارات في كل شيء.. الإقامة، البحث عن وظيفة، التقديم للدراسة، البحث عن سكن، التسجيل في مستوصف، استخراج إجازة سوق.. كل شيء يحتاج منك إلى إجراءات روتينية لا تنتهي.. والأغرب أنهم ينفقون ربما ميزانية دولة على الأوراق والرسائل والمخاطبات الرسمية..

ولا أكتمكم سرّا.. إنني إذا سئلت اليوم: “ما هو مفهومكِ عن الجنة؟”.. سأقول: “إنها ذلك المكان الخالي من البيروقراطية والاستمارات!”.

20