بين مطارد ويائس وسجين.. السلطات في مصر تفقد التواصل مع الشباب

تفتح حملة الحكومة المصرية للقبض على المزيد من شباب أحزاب المعارضة الباب أمام توجيه انتقادات مضاعفة لها من قبل قوى سياسية ومدنية عديدة، كما أن توقيتها جاء بالتزامن مع إعلان الأحزاب عن مبادرات متعددة لخوض انتخابات الرئاسة المقبلة، وهو ما أضفى عليها أبعادا ارتبطت بتقييم الموقف الحكومي من هذه الحملات.
الجمعة 2017/05/26
عكس السير

القاهرة – جيكا وكرستي ومينا دانيال وعلاء عبدالفتاح وأحمد دومة وأحمد ماهر، وغيرهم كثر من الشباب المصري الذين تحولت أسماؤهم إلى أيقونات وشعارات يرفعها أقرانهم في وجه السلطة التي لم تستوعب بعد أن الوضع تغير وأن لغة الاعتقالات وشبح أمن الدولة لم يعيدا يفيدان في عصر أصبح فيه فايسبوك صوت “الثورات” والاحتجاجات الشعبية.

ثورة 25 يناير كانت في الأساس “ثورة عمل ومستقبل وكرامة” لكن ورغم أنها حادت كثيرا عن هذا الهدف وتحولت وجهاتها إلا أنها كسرت حاجز الخوف من السلطة في صفوف الشباب، الذي يرى أنه لن يخسر أكثر مما خسر والوضع في صالحه، فبمجرّد أن يتم القبض على أحدهم يصبح “نجم” مواقع التواصل الاجتماعي وتهب لنصرته مختلف المنظمات الدولية والحقوقية.

وتواجه الحكومة المصرية اتهامات بالفشل في الحوار مع الشباب، وهناك انعدام ثقة متبادل بين الطرفين، ما يحوّل الحوار الثنائي إلى أحادي، وفي معظم الأحيان تبدو السلطة كمن يحاور نفسه في ظل تغييب الشباب والتعامل معهم بالعقلية القديمة. وكان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أقر بإخفاق النظام في “التواصل والتفاهم” مع الشباب.

ويشخص القيادي بحزب الوفد الليبرالي عصام شيحة الداء بقوله إن أزمة الشباب مع الأنظمة المتعاقبة تكمن في عدم فهم النظام الحاكم لأساليب التعامل مع الشباب الذين ارتفعت طموحاتهم السياسية، وأصبحت لديهم رغبة في صناعة المستقبل. وأضاف شيحة أن لجوء الدولة إلى الطرق الأمنية في إدارة ملف الشباب المعارض يفسد العلاقة المتوترة أصلا بين أهم طرفين في الدولة.

العودة إلى الأسلوب القديم

كتب علاء عبدالفتاح الناشط السياسي الذي يقضي عقوبة بالسجن 5 سنوات بتهمة تنظيم احتجاج سياسي، “لم يعد لدي ما أقوله، لا آمال أو أحلام أو مخاوف أو تحذيرات. لا شيء بالفعل”.

يصف عبدالفاتح حاله وحال الكثير من الشباب المصري اليوم فيما تشن الحكومة حملة اعتقالات في صفوف الشباب المعارض وناشطي مواقع التواصل الاجتماعي وكتاب المدونات السياسية.

وجود تحركات أمنية ضد المعارضين في وقت لا تشهد فيه البلاد تصعيدا سياسيا لا يمكن أن يفسر إلا في سياق الضغط

ويبلغ عدد الشباب حوالي 32.5 مليون نسمة بحسب الاحصائيات الرسمية في آخر تعداد أجري عام 2015، من أصل 86.6 مليون هم إجمالي عدد السكان في مصر، وتوقعت الهيئات الإحصائية أن يرتفع عدد الشباب بحلول عام 2020 ليسجل 36.7 مليون نسمة، من أصل 92.6 مليون مواطن، يزداد عام 2030 ليصل إلى 43.5 مليون شاب، من أصل 104.5 مليون نسمة.

وروجت السنة الماضية الحكومة المصرية، بمناسبة سنة الشباب، للعديد من البرامج التي تهدف إلى استمالة الشباب، لكن وبينما كانت يد السلطة ممدودة للشباب كانت يدها الأخرى تحكم قبضتها على المعارضين والمحتجين منهم بتهم قضايا متنوعة.

وخلال الأيام الماضية، ألقت قوات الأمن المصرية القبض على مجموعة من الشباب الذين ينتمون إلى أحزاب وحركات سياسية منها: الدستور والعيش والحرية (تحت التأسيس) والمصري الديمقراطي الاجتماعي، الاشتراكيين الثوريين و6 أبريل، في أماكن مختلفة على مستوى الجمهورية.

وقالت وزارة الداخلية في بيان لها إنها ألقت القبض على 40 شخصا بتهم التحريض على العنف وقضايا أخرى متنوعة عبر شبكة الإنترنت، دون أن توضح انتماءات المقبوض عليهم. وأشارت قيادات حزبية إلى أن الشباب المحتجزين تم توجيه اتهامات لهم تتعلق باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي في قلب نظام الحكم، وإهانة رئيس الجمهورية وتكدير السلم العام.

لكن هذه الاعتقالات الأخيرة لن تعمل على تحقيق السلم العام، بل على العكس ستؤدي إلى تعميق الهوة وتضاعف التوتر بين الشباب والسلطة. وستلقى المسؤولية على الحكومة. وسيفضي التمادي في الاعتقالات إلى المزيد من الغضب وتوسيع دائرة التعاون بين القوى الغاضبة، سياسية وحقوقية وشعبية، وهو ما يمثل تهديدا حقيقيا للنظام الحالي، خاصة أن شعبية الرئيس عبدالفتاح السيسي تتراجع بفعل عدم القدرة على تحقيق إنجازات ملموسة على الأرض.

ويكشف انفعال السيسي الزائد في حواراته الجماهيرية حجم الضيق السياسي، بل إن البعض اعتبر أن حملة الاعتقالات الواسعة في صفوف الشباب هي ترجمة لهذه الحالة. وبحسب العديد من خبراء الأمن فإن ما أقدمت عليه وزارة الداخلية يرتبط باستراتيجية أمنية واضحة للتعامل مع المعارضين تقوم على اتخاذ إجراءات استباقية على خلفية معلومات بوجود تصعيد سياسي على المدى القريب.

وأصدرت منظمات حقوقية وأحزاب معارضة وتكتلات سياسية و150 شخصية عامة بيانا أعلنت فيه رفض تلك الإجراءات، في وقت تحتاج فيه مصر إلى السلم الاجتماعي وتخفيف التوتر في الداخل لتكون على قدر المسؤولية الإقليمية التي تتحملها في ظل تحالفاتها في الحرب ضدّ الإرهاب وأيضا لتواجه بها التوترات التي تحصل أحيانا مع دول خارجية ومنظمات حقوقية دولية.

وقال مدحت الزاهد، نائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي (المعارض)، لـ “العرب”، إن وجود تحركات أمنية بشأن المعارضين في وقت لا تشهد فيه البلاد تصعيدا سياسيا موازيا في الشارع لا يمكن أن يفسر إلا في سياق الضغط. وأضاف أن “اقتران الشباب المحتجزين بأحزاب تبنت مبادرات للترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، يعبر عن موقف حكومي رافض لها”.

وتطالب أحزاب التيار الديمقراطي الحكومة المصرية بالإفراج عن سجناء الرأي وفتح المجال السياسي، وإتاحة مساحات إعلامية متساوية بين المرشحين على مستوى الإعلام الحكومي المملوك للدولة، وتجميد قانون الطوارئ، تمهيدا لمشاركتها في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهو ما لم ترد عليه الحكومة بشكل رسمي حتى الآن.

اقتران الشباب الذين تم اعتقالهم بأحزاب تبنت مبادرات للترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة يعبر عن موقف حكومي رافض لها

ويرى البعض من القيادات الحزبية المعارضة أن التضييق الأمني ركز بالأساس على حزب الدستور الذي أعلن تبنيه لمبادرة الفريق الرئاسي التي أطلقها عصام حجي، مستشار الرئيس المصري السابق، من الولايات المتحدة، كما أنه طال أيضا حزب العيش والحرية ويعد خالد علي، المرشح الرئاسي السابق وكيل مؤسسيه، والذي اعتقل مؤخرا بتهمة مطاطة اسمها “خدش الحياء العام” أبرز رموزه.

واعترف الزاهد بأن الأحزاب المعارضة الحالية لا تمثل تهديدا كبيرا على الحكومة المصرية لأن قواها تفتتت، مرجعا ذلك إلى أسباب بنيوية داخل الأحزاب وأخرى سياسية وأمنية ترتبط بالتدخلات المتتالية للأمن في شؤون الأحزاب الداخلية، وعدم فتح المجال العام بشكل يسمح بتحركات أكبر للأحزاب.

مرحلة مصيرية

يؤكد جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، لـ”العرب”، أن التوسع في الإجراءات الأمنية لإيجاد حلول لمشكلات سياسية واقتصادية تعاني منها البلاد في الفترة الحالية يعيد سياسات الحكومات السابقة التي فشلت في التعامل مع هذه الأزمات، كما أن الأمر في الوقت الحالي أضحى بحاجة إلى اتخاذ قرارات سياسية واقتصادية عاجلة بعيدا عن الحلول الأمنية.وأوضح أن أول هذه الحلول يتعلق بإعادة تنظيم الحياة السياسية عبر حل الأحزاب الكرتونية، والسماح بإنشاء حزب واحد لكل تيار سياسي يعبر عنه، بالإضافة إلى استيعاب الشباب وتخفيف الضغط عليهم.

على مدار الأشهر الماضية أفرج الرئيس عبدالفتاح السيسي عن 300 شاب من مختلف القوى السياسية، لم يثبت تورطهم في أعمال عنف ضد الحكومة وجرى القبض عليهم بمقتضى مخالفتهم قانون التظاهر، كما عبر عن رغبته في إشراك شباب الأحزاب في إيجاد حلول للأزمات التي تعانيها البلاد، ونظم أربعة مؤتمرات شبابية تمهيدا لمشاركتهم في العمل العام.

لذلك فإن إلقاء القبض على شباب آخرين معارضين يقوض الإجراءات السابقة، التي كانت تهدف إلى فتح صفحة جديدة معهم، ويشرع الباب أمام زيادة الاحتقان في الأوساط الشبابية، التي لم تكن مقتنعة أصلا بتصورات السيسي، سواء نحو الإفراج عن المئات من المعتقلين أو مؤتمراته الشبابية.

6