بين مقهى ومقهى في عمّان مقهى

ارتياد المقاهي طقس يومي يعرفه أغلب الرجال في الوطن العربي منذ القديم حتى بات يعرف لدى النساء بأنه البيت الثاني للرجل حيث يهرب من عناء الشغل وهرج الزوجة والأطفال، فالرجل في العاصمة الأردنية مثلا يقصد المقهى كل يوم في مواقيت محددة ويجلس لساعات غير محددة يتجاذب خلالها أطراف الحديث مع الأصدقاء وحتى مع الغرباء دون كلل أو ملل، ففي المقهى يستقي الرجال الأخبار والمستجدات المحلية والعربية وحتى العالمية، فهو بمثابة الإذاعة الناقلة لكل الأحداث، فالمقهى يعد صرحا مجتمعيا وحضاريا شهد له التاريخ العربي الحديث والمعاصر بأهميته ودوره الفعال في المجتمعات العربية خاصة وأن كل مقهى عرف برواده وطبقتهم الاجتماعية والثقافية، لكن في العصر الراهن انتشرت مقاه متشابهة قتلت خصوصية المقاهي القديمة.
الاثنين 2017/05/15
مقاهي اليوم متشابهة

يجمع من أرخ للعاصمة الأردنية عمّان على أنه لم يكن فيها أكثر من 20 مقهى حتى مطلع القرن الحالي، ولكنها تكاثرت بعد ذلك بسرعة ولا تزال، حتى أن الوصف “بين مقهى ومقهى هناك مقهى” الذي كان يطلق على بغداد في العهد العثماني غدا يصدق على عمّان أيضا.

المقاهي الحديثة تجتذب الشباب إليها لأجوائها الصاخبة، فيما هجر المقاهي القديمة روادها وأخذ يرتادها طلاب التسلية والترفيه، وتزورها الأفواج السياحية الأجنبية، وغابت عنها وجوه المثقفين والكتاب والفنانين والصحافيين والتجار والسياسيين ووجوه المجتمع.

مؤتمر وطني في مقهى

يقول الكاتب الأردني وليد سليمان، الذي أرخ لمقاهي عمّان، لـ”العرب” إنه “قبل أن تغزو مدينة عمّان المقاهي الحديثة، الأقرب إلى ما يسمى بالكوفي شوب، كان عدد المقاهي في وسط عمان البلد نحو 20 مقهى منها الشهيرة والفخمة، ومنها الشعبية البسيطة، المنزوية في ثنايا شوارع عمّان وسط البلد، وأصبح عدد المقاهي الآن وسط البلد فقط من شعبية ومتوسطة وفخمة قرابة 50 مقهى، عدا المقاهي التي توجد خارج وسط المدينة في جبال عمّان وأحيائها، والتي يقترب عددها من 150 مقهى”.

مقاه قديمة بلمسات متفردة

وترجع بداية ظهور المقاهي في مدينة عمان إلى بداية تأسيس إمارة شرقي الأردن، في أوائل عشرينات القرن الماضي، وكان عددها قليلاً لصغر عمان يومها، وكان من أشهر مقاهي تلك السنين مقهى “المنشية التحتا”، الذي كان يقع في شارع سينما البتراء خلف المسجد الحسيني، والذي استمر حتى بداية ستينات القرن الماضي، وكان يطيب لأكثر رجالات عمان من التجار الكبار والموظفين والمثقفين الجلوس فيه، إذ كانوا يتبادلون الأحاديث والأخبار السياسية والمواضيع الاجتماعية مع أنفاس الأراجيل الشعبية، قبل أن يظهر، في أواخر عشرينات القرن الماضي، مقهى منافس وشهير اسمه “مقهى حمدان” في شارع الملك فيصل في طابق علوي واسع ضخم، واشتهر هذا المقهى بأنه ملتقى لمعظم فئات المجتمع العماني وحتى القادمين من خارج عمان، فهو مكان مهم للتسلية ولعب الورق وطاولة الزهر، وملتقى لهواة تربية الطيور وباعتها، ولتنظيم سباقات الخيول، ولكن في نهاية فترة أربعينات القرن الماضي تمّ هدمه ليقام مكانه سوق الذهب، ومن فوقه مقهى “كوكب الشرق” الحالي.

وتأسس في ثلاثينات القرن الماضي، في وسط عمان البلد، “مقهى محروم” حيث العزف على الربابة والحكواتي ليلا، ثم انتشرت مقاه أخرى مثل ماتيلدا، وادي النيل لمديرها السوداني، الأريزونا، البرازيل، والكرنك، التي اختفت جميعها في منتصف الأربعينات من القرن الماضي.

تجار وموظفون ومثقفون يطيب لهم الجلوس في المقهى ليتبادلوا الأحاديث والأخبار السياسية والمواضيع الاجتماعية

ويشير سليمان إلى أن أبرز الأحداث في مقاهي عمان قديما جرت في مقهى حمدان، الذي عُقد فيه أول مؤتمر وطني أردني سنة 1928 للحركات الوطنية التي يقودها سياسيو الأردن ومثقفوه لتحسين أوضاع البلاد، وللتنديد بالاستعمار الأجنبي والتحذير من مطامع اليهود في فلسطين ولتوسيع المشاركة الشعبية في مجلس النواب أو المستشارين، وقد أقيمت فيه كذلك الحفلات الغنائية، مثل حفلة المطربة السورية المشهورة في الأربعينات “زكية حمدان” وعروض فنية أخرى.

وينتقد سليمان الجهات السياحية والتراثية المختصة لإهمالها بعض المقاهي التراثية العريقة، كالمقاهي التي أُغلقت كليا مثل مقهى “الجامعة العربية” و”مقهى العاصمة” ومقاه أخرى أُزيلت شُرفاتها وساحاتها الواسعة التي كانت تطل على الشوارع وجبال عمّان، مثل مقهى السنترال ومقهى كوكب الشرق.

يقول وليد سليمان “كان من الأجدى بمسؤولي المدينة مثل أمانة عمّان الكبرى، أن يحافظوا على هذا الإرث والذاكرة الاجتماعية والثقافية والمعمارية المهمة لمركز ووسط عمان بعدم هدمها أو هدم جزء منها والإسهام في أجورها وتخفيض الضرائب عنها لتظل شاهدة على ماضي وتاريخ عمّان، التي يقصدها السياح والزوار بكثرة للاستمتاع بمشاهدة الأماكن التي نشأت فيها حركاتها وتفاعلاتها المختلفة الاجتماعية والسياسية والثقافية المتنوعة”.

لكل حزب مقهى

يتحدث الكاتب الفلسطيني سليم النجار عن الأثر السياسي لمقاهي عمان، ويقول “شكلت مقاهي عمّان، منذ تأسيسها، متنفسا سياسيا للكتاب والمبدعين الأردنيين، ومن أبرز المقاهي، التي لعبت دورا في هذا الإطار مقهى الجامعة العربية، إذ كان ملتقى البعثيين ويقابله مقهى ما يعرف حاليا بـ’السودانيين’، الذي كان ملتقى حركة القوميين العرب، ومن بعدهم حركة الشيوعيين، ومقهى السنترال كان ملتقى لكتاب الفصائل الفلسطينية: فتح، الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، وكان يعد ملتقى اليساريين وبعض الكتاب، الذين عرفوا، في ذلك العصر، بـ’الديمقراطيين’، ومن أشهرهم ياسر عبدربه، الذي أصبح، في ما بعد، من قيادات منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك فقد ارتاده بعض الشيوعيين”.

اهتمامات رواد المقاهي تغيرت

وينتقد النجار وزارة السياحة والآثار على أنها مازالت لا تعرف قيمة مقاهي العاصمة تاريخيا وثقافيا، وتتعامل مع هذه الأماكن التاريخية، التي تشكل ذاكرة عمّان وشاهدا على تغيراتها السياسية والاجتماعية، على أنها أماكن للتسلية والترفيه، على الرغم من بعض محاولات أمانة عمان الكبرى، بين الحين والحين، لتطوير وسط البلد، إلا أن المطلوب من وزارة السياحة والآثار أن تكون هذه المقاهي على أجندتها، من حيث الترويج السياحي والتعريف بأهميتها، خصوصا وأن أفواجا من السياح الأجانب بدأت ترتاد تلك المقاهي وتزورها على الرغم من عدم الترويج لها.

ويتابع النجار متحدثا عن مقهى العاصمة، ويقول إنه هدّم نهاية التسعينات وحلت محله عمارة تجارية، وكان ملتقى الأدباء والمثقفين الأردنيين أمثال مؤنس الرزاز وخالد الكركي والكاتبة سهيل التل ومحمد خروب، والدكتور عزالدين مناصرة، والروائي الراحل تيسير السبول، والصحافي فادي القاضي، الذي أصبح، في ما بعد الناطق الرسمي لمنظمة حقوق الإنسان، ومن رواده التاريخيين الراحل سليمان عرار، الذي أصبح وزيرا للداخلية ورئيسا لتحرير جريدة الرأي، ومن هذا المقهى انطلقت فكرة تأسيس الحزب العربي، الذي ترأسه الروائي الراحل مؤنس الرزاز مع عدد من أصدقائه أمثال سعيد حباشنة وزياد أبولبن رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الحالي.

الملفت أن المقاهي القديمة، في الآونة الأخيرة، تحولت إلى حاضنة شبابية للجنسين من كل الأعمار، في حين كانت هذه المقاهي في الماضي حكرا على الرجال، فأصبح من الطبيعي أن تجلس الشابات في شرفات هذه المقاهي المطلة على الشوارع العامة.

من يافا إلى عمان

الصحافي الأردني جمال زهران من رواد مقهى السنترال في وسط البلد أبدى اهتماما متميزا بتوثيق مقاهي عمّان في كتاباته، على الرغم من أنه من رواد مقهى السنترال، الذي يروي حكايته بالقول “تأسس مقهى السنترال سنة 1949 وأصحابه من دار منعم والنواب في فلسطين كانوا يملكون في يافا مقهى يتسع لأكثر من ألفي شخص، وبعد النكبة هاجروا إلى عمان ولم يلبثوا سنة حتى أسسوا مقهى السنترال، الذي أصبح من أعرق مقاهي عمّان المتميزة بوجود المعرش الخارجي (الشرفة) وارتياد السياسيين والتجار والطلبة والمثقفين والفنانين له، وكان داخل المقهى مطعم للأكلات الجاهزة ومحل حلاقة، وفوقه حانة أخذت اسم المقهى وحانة أخرى اسمها الهيلتون”.

يضيف زهران، كان يرتاد المقهى الشاعران الفلسطيني محمد القيسي والأردني أمجد ناصر، والصحافي المعروف ميشيل النمري والفنان محمد وهيب والكاتب والقاص الفلسطيني رسمي أبوعلي، بالإضافة إلى نخبة من الأطباء والمهندسين وآخرين، وبعد العام 1990 أصبح ملتقى الأدباء والفنانين والمثقفين العراقيين أمثال القاص عبدالستار ناصر والكاتب علي السوداني والمترجم جان دمو والفنانين التشكيليين محمد مهرالدين وعبدالأمير علوان والمخرج المسرحي عوني كرومي وآخرين.

ويبدي زهران أسفه على المقهى بعد أن توفي أصحابه، وتولى أبناؤهم إدارته الذين ليست لديهم خبرة في العمل فقلّت الخدمات وتدنت، وأصبح يرتاده اليوم لاعبو الورق والدومينو وطاولة الزهر وبعض من الذين يتصفحون الإنترنت لتوفره في المقهى.

تسلية مضرة

الكتبي سامي أبوحسين والذي تقع مكتبته أمام مقهى السنترال وتحيط به مقاه شعبية قديمة جدا لفتت نظره ظاهرة عزوف المثقفين عن ارتياد مقاهي البلد.

يقول أبوحسين، “منذ سنوات قليلة، وبعد فتور العلاقة بين المثقفين والمقاهي، سعى بعضهم إلى تأسيس مقاه ذات طابع ثقافي، تقام فيها فعاليات ثقافية وأمسيات شعرية وموسيقية ومعارض للفن التشكيلي مثل مقهى الدويندي بجبل عمّان ومقهى محترف رمال وفن وشاي بجبل اللويبدة ومقهى جفرا بوسط البلد، والذي شهد منذ افتتاحه حضورا يوميا لمثقفين وكتاب أردنيين في كافة التخصصات ويضم مكتبة تحتوي على مختلف الكتب”، مشيرا إلى أن هذا الإجراء لم يجتذب المثقفين إلى هذه المقاهي إلا قليلا.

ويتابع أبوحسين أن ضواحي عمّان اليوم، مثل عبدون والصويفية وتلاع العلي، والأحياء القديمة القريبة من المركز، مثل جبل اللويبدة وجبل الحسين، تحوّلت إلى أماكن تنتشر فيها المقاهي الحديثة ذات الروح الشبابية، حيث يختلط الرجال مع النساء.

ويضيف “لم يعد المقهى كما كان مكانا للعب ‘الشدّة’ أو انطلاق المسيرات والتظاهرات، فتلك الوظيفة الاجتماعية والسياسية انتهت بانتهاء أيام المقاهي القديمة، التي اندثرت، وغاب حضور الجيل الذي عاصرها سنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي”.

لكن كامل أبوصالح، نادل مقهى بلاط الرشيد، وهو من المقاهي القديمة، يوضح أن أعمار رواد مقهاه عادة بين 18 و50 سنة مع اختلاف الطبقات الاجتماعية فمنهم الطالب والموظف والمستثمر والعاطل عن العمل، مبديا اعتقاده بأن المقاهي هي الوسيلة الوحيدة للشباب لكي يُروحوا فيها عن أنفسهم وذلك لعدم وجود أماكن أخرى للتسلية.

المهندس فراس الربضي رئيس قسم التراث العمراني في أمانة عمان الكبرى قال لـ”العرب” إن “الأمانة تسعى إلى المحافظة على المقاهي كأبنية قديمة لأنها تشكل جزءاً من ذاكرة الناس والمدينة، وقد اكتسب قسم منها قيمة رمزية، ولذلك فالأمانة تحاول مساعدة هذه الأبنية، بما فيها أبنية المقاهي على البقاء وذلك من خلال تطويرها وإيجاد مواقف سيارات قريبة منها بهدف إحيائها لكي تكون نقاطاً جاذبة في وسط البلد”.

إن الجميع يدعو إلى الحفاظ على مقاهي عمّان والعناية بها وتحويلها إلى معالم سياحية، ولكن رأس المال لا يلتفت إلى التراث ويحاول أن يحوّل مباني المقاهي إلى أبراج عالية حديثة، ولا تقف في وجه رأس المال، الآن، إلا تعليمات أمانة عمّان، وإذا صمدت هذه التعليمات فستكسب عمّان مقاهيها القديمة وتصبح قبلة للوفود السياحية وملاذاً لمحبي التراث.

20