بين موتين

السبت 2015/11/14

مات (س) فقامت الدنيا ولم تقعد، ومات (ص) وما زالت الدنيا قائمة على قدم وعكاز بعد أن دفع أحدهم الكرسي ونسي أن يغلق باب الجدل. سياسي وشاعر، هذا ليس عنوان لقصيدة رديئة؛ هذه نشرة أخبار عنوانها الرئيس؛ مواطن غرق نصف منزله فارتقى السلالم للنصف العلوي حتى لا تتبلل أنامله، ليسجل شتيمة مستعجلة على صفحته في الفيسبوك.

يأتي المطر، فتغرق المدينة حتى أذنيها بالفوضى والبشر؛ مسنّون وأطفال، نازحون وجيّاع، صبية متسولون وأرزاق مقطوعة، موت ويأس وأوحال، جنود يرحلون إلى المجهول فلا يعودون وأمهات ينتظرن من دون أمل على أبواب الفراق، ذكريات ماض بعيد بسجون ومعتقلات ما زالت ملطخة بدماء من رحلوا، وحقول ألغام من أسرار وأحقاد وحقوق منهوبة وأموات لم يثأر لهم، ألغام نصفها ميت ونصفها يضحك. هذه هي القصيدة الرديئة التي لم يكتبها أحد.

في كل مرة، ينزل سوط الضمير ليجلد ذواتنا دون رحمة عندما يموت شخص بريء، فننزفه قطرات من دم وعارا لأننا ما زلنا أحياء. وما زلنا مسكونين بالوصايا الأخيرة لمجهولين ماتوا في حروب سخيفة فلم يسمع بهم أحد، يوم كانت الأضواء مسلطة على القتلة وحدهم، مثلما نحن مسكونون بوجع المتنعمين بظلم جديد، لا يخجل أن يسلط على فظاعاته أضواء كاميرات تترفع عن عذابات مجهولين جدد.

بين موتين، مات العشرات من الفقراء والمهمشين ولم يكتب في رثائهم أحد، فالجميع مشغولون بتقديم شهادات مؤجلة لتاريخ لن يسلم من تزييف، التاريخ الذي سيكتبه منتصر يغمس قلمه بالحبر وأصابعه بالدم، تاريخ لن يرد فيه ذكر سوى لأسماء أهل السياسة والدين والأدب والفن، فيغض الطرف عن سواهم وكأنهم غير موجودين.

جرائم فظيعة ما زالت ترتكبها (داعش) بحق أبرياء وجرائم أخرى ما زالت ترتكبها الطبيعة بحق آخرين لا ذنب لهم سوى تواجدهم في المكان الخطأ، وجرائم ماض أسدلت عليها ستارة اللامبالاة، رغم أن أبطاله من قتلة ومقتولين ما زالوا أحياء يرزقون؛ بعض من قتلة نزعوا عنهم رداء الماضي بخفة ليرتدوا عباءة شماتة وبعض من مقتولين مازالوا يسيرون في الشوارع ويمارسون يومياتهم على شكل موت صامت، لا يهم. لكن زوابع الظلم هذه لم تعد مادة صالحة للنشر وسط أكوام الشتائم المتبادلة بين الفرق المتحاربة.

من قال إن الموت أخذ إجازته الموسمية؟ غير صحيح. إنه ما زال هناك، يقوم بعمله المعتاد كل صباح في حصد أرواح فقراء ومجهولين، الموت كائن مستعجل، لا يستطيع أن ينتظر الآخرين حتى يفرغوا من كتابة خطاباتهم في رثاء المشاهير.

الفقير الذي شبع ذلا وجوعا وانتظارا لغد لم يأت ولن يأتي بسبب تكالب أهل السياسة والدين على البطش بمصيره في الأمس واليوم، لا يعنيه موت فلان أو علان لكن لسان حاله الذي ابتلعته الفاقة لا بد أن ينضم يوماً إلى جوقة المطبلين، فيفصح عن شتيمة مبتكرة لا يسمعها أحد لكنها ستبقى معلّمة بالدمع الأحمر لتلوث كتاب التاريخ الجديد.

“أوقفوا دوران هذا الوطن المجنون، أريد أن أترجل!”.

21