بين نصيبين

الأربعاء 2015/07/15

حين كتب أحمد المديني نصه الأدبي “نصيبي من باريس” كان يتراسل مع تقليد صعب، في الكتابة عن مدينة بهرت الشعراء والروائيين والساسة والفنانين، وكتب عنها المنفيون واللاجئون والسفراء والطلبة والمهاجرون العاديون، لكنه كتب نصا مختلفا لمسار أديب مغربي، استوطن تلك المدينة وأغرم بها، وعاشر أقطاب الأدب والسياسة فيها، من عرب وفرنسيين، وأحصى نفائسها وألغازها، نصا حريفا ومتحفيا، لا يخلو من شطح. لقد كانت المدينة تعلة لاستغوار عوالم العرب هناك، وأنحاء تفكيرهم في المنافي بعيدا عن ديارهم، وانتقاد سلوكهم، وتعرية بذاءاتهم… في ذلك النصيب يتجلى أحمد المديني القاسي والعذب، والعاصف في كل الأحوال.

يعرفنا المديني على باريسه الشخصية، شديدة الحساسية في انتخاب الأطعمة والأنبذة والعطور والأزياء والموسيقى، باريس المأهولة بالتفاصيل الحسية والرمزية وبالأحاسيس، وبالناس، يضعنا أمام حقيقة أن المدن لا تهب نفسها بيسر لساكنيها من أهل البلد والغرباء على حد سواء، هي في ذلك كالمعاني الغميسة، تمتنع على المتفيهقين والمدعين، تحتاج إلى ولع وصدق في المعاشرة، والمديني ممن أخلصوا المودة لباريس فمحضته المعارف العزيزة، لهذا تطفر الأسرار المدينية عبر فقرات نص “نصيبي من باريس” وفصوله، من “الحي اللاتيني” إلى “السوربون” ومن “غابة بولونيا” إلى “اللوفر”، ومن “ميتران” إلى “أندري ميكيل”، ومن “محمد باهي” إلى “جمال الدين بن الشيخ”… بعين ناقدة ولسان لاسع، وفيض دعابة لا ينضب، تستعذبه وتستزيد منه.

ولعلك، عزيزي القارئ، لن تخرج كما دخلت إلى باريس أحمد المديني، فمما لا شك فيه أنك ستراجع أحكاما شتى عن أماكن شهيرة، وكتاب معروفين، وأفكار اتخذت صبغة رواشم متكررة في العديد من الأدبيات التاريخية عن عاصمة النوار؛ وهو ما قد لا يتأتى لك حين تعرج على نص أحمد المديني الآخر “نصيبي من الشرق”، الذي يتمثل كسرد رحلي عابر لمدن بيروت والقاهرة وعمان، أقول عابر لأنه لا يمثل ولو جزءا يسيرا من حظ المديني من فتن الشرق ومباهجه، ألغازه وصبواته، صحيح أنه يفضفض ما أسعفه القول لذلك، ويوغل في تلافيف الذاكرة، ويستل خيوط هذا النصيب كشعرات داكنة من عجين أبيض، بيد أن ملامح تلك المدن الثلاث الأثيرة التي احتضنت زيارات الكاتب المغربي سرعان ما تتوه في صور حديثة، تتلاشى داخلها العديد من الذكريات والأحاسيس عن فضاءات وأناس ووقائع عديدة، فتتجلى كظلال منطفئة لضوء عابر، بل إن عاصمة عربية استوطنت قلب المديني وعقله لعقود طويلة تسقط بشكل كلي من نصيبه الشرقي على نحو صادم، إنها بغداد التي ربما تحتاج لمصنف قائم بذاته لصاحبنا، قد يسميه في يوم ما “نصيبي من بغداد”.

كاتب من المغرب

15