بين والد عربي وطفله.. حديث المواربة

ما زال الكثير من نقّادنا الكواسر يمتعضون من اعتماد الأسلوب المباشر في الأعمال الإبداعيّة، وكأنّها عيب فنيّ يجب إخفاؤه والاستعاضة عليه بالمواربة ومسك الأذن اليسرى باليد اليمنى.
الأحد 2019/01/13
أين تتوقف حدود المصارحة لتبدأ هوامش المواربة؟

“ما هذا الصدر المدهش؟”.. كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل حين خرجت هذه العبارة من فم الوالد أمام طفله مثل هفوة في الزحام وهو يمسك بالريموت كونترول، ويقلّب بإبهامه المتشنّج ليستقرّ فجأة عند إحدى المحطّات “الجريئة” في غفلة من زوجته الغافية.. و”نوم الظالمين عبادة” كما يقول المثل الشعبي.

استدرك الأب هول زلّة لسانه وإبهامه أمام طفله الذي رفع بدوره رأسه مشرئبا ومستفسرا “بابا ماذا يعني الصدر المدهش؟ كيف تكون الصدور مدهشة دون غيرها.. قل لي بالله عليك يا أبي”.

وهنا أدار والد الطفل بسرعة الخائف نحو محطّة “بريئة” كانت تعرض -وبالمصادفة- برنامجا عن عالم الحيوان ثمّ أجاب بارتجال لا يخلو من الارتباك “لا بابا إنّما كنت أقول متعجبا ما هذا الصقر المدهش.. انظر إلى جمال وشموخ هذا الصقر”. لم ينه الأب حديثه في “جماليات الصقر” حتى انهال الطفل على والده المتحذلق بوابل من الأسئلة “ما فصيلة الصقور، أين تعيش، كم تعمّر، وممّ تقتات، كيف تتناسل، كم تنجب من الفراخ، كيف يعلّمونها الصيد؟” وهلمّ جرّا من تلك الأسئلة التي لا يمكن أن يتصدّى لها عتاة المتخصّصين في عالم الحيوان.

وهنا رفع الوالد الراية البيضاء مستسلما، وأوقف تيّار الأسئلة الجارفة بقوله “بابا، أنا كنت أقول: شو هالصدر! وليس شو هالصقر.. هيا التحق بسريرك غدا لديك دروس صباحية”.

هكذا استجار الأب من لظى ورطته بنار المصارحة فكفى نفسه مشقّة المواجهة مع أسئلة طفل مربكة، يشك في عفويتها، ولكن، أين تتوقف حدود المصارحة لتبدأ هوامش المواربة؟

هذه الطرفة تلخّص مقولة أزلية مفادها أنّ حبال الكذب قصيرة وطرق الالتواء متوّهة بالضرورة.

أمّا الأسئلة التي تختفي وراءها فهي كثيرة وفي عهدة علماء الاجتماع والنفس وأخصّائيي التربية. لماذا عبّر الزوج عن إعجابه بهذه اللهفة في غفلة من زوجته وحضور ابنه، ولماذا اضطرّ للمواربة والكذب ثمّ التراجع عبر حجّة غير مقنعة؟ ولماذا لم يأوِ هذا الطفل “الغليظ” إلى فراشه حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ وهل أنّ سؤاله كان بريئا؟ بل لماذا لم يعجبه من المحطّات غير هذه المحطّة؟

لكنّ السؤال الأهمّ هو لماذا تناقل الناس هذه الطرفة وتداولوها في عالمنا العربي دون غيره، ذلك أنّنا مازلنا نعتبر الجسد خطيئة والمجاهرة ورطة، والكذب تقية والمواربة حبل نجاة، أمّا المصارحة والمكاشفة فقد يكونان طريقا نحو ما لا يحمد عقباه.

ما زال الكثير من نقّادنا الكواسر يمتعضون من اعتماد الأسلوب المباشر في الأعمال الإبداعيّة، وكأنّها عيب فنيّ يجب إخفاؤه والاستعاضة عليه بالمواربة ومسك الأذن اليسرى باليد اليمنى.

ما أسهل أن تخفي وتتخفّى وما أصعب أن تعرّي وتتعرّى، ما أهون عندنا أن نكتب قصيدة في الحب وما أشقّ أن نعيش الحب.

مازالت الكاميرا العربيّة ترتدي النقاب، وما زال الكتّاب يمسكون شخصياتهم بالقفّازات. مازال المسرح العربي يختفي خلف أكثر من ستار وما زال القلم العربي يلبس بدلة السموكن ويكتب عن أطباق المناسف بالشوكة والسكين ويغمس ريشته في حبر ورديّ كاذب. بلغة أخرى، مازال المتلقّي العربي لا يستسيغ من اللكمات إلا تلك التي تأتيه من خلف قفاز حريري.

لماذا نسمّي الأشياء بغير مسمّياتها فتصبح الهزيمة نكبة، والنكبة نكسة والنكسة هفوة.. والصراع الطبقي عتابا طبقيا. لم تصبح المجتمعات المتقدّمة على ما هي عليه الآن ولم تتلوّن أكشاك جرائدها إلّا بعد أن نزعت عنها عباءة التردّد والمواربة وكلّ الاستعارات اللفظيّة.. واختارت المباشرة البليغة وعدم استبدال كلمة “صدر” بـ”صقر”.

حين تصبح المباشرة خيارا فنيّا وحياتيّا، هذا يعني أنّك قد نزعت عنك ثوب الخوف والتوجّس وجعلت من منشر غسيلك المتعدّد الصفوف حبلا واحدا تنشر فوقه كلّ الملابس الناصعة والمتّسخة.. وفوق ذلك كله، يفعل جيرانك مثل ما فعلت، فلا ينهون، عندئذ، عن منكر ثم يأتون بمثله.

يبدو أننا نحتاج إلى حوار طويل وشاق مع أنفسنا قبل إجراء نقاش قصير وبسيط مع أطفالنا.

21