بيوت الأدباء

الخميس 2016/09/29

أخيرا تمّ هدم بيت أبي القاسم الشابي في مدينة توزر، مسقط رأسه، بعد أن ظل سنين طِويلة خربة تُصبّ فيها الفضلات، دون أن تتحرّك الجهات المعنية لإنقاذه وتحويله إلى متحف، على غرار بيوت الأدباء في الأمم التي تحترم ذاكرتها.

وقد أثار الهدم موجة من الاستياء طالت بالأساس وزارة الثقافة، وإن وجد لها بعضهم أعذارا، منها أن الشابي لم يُقم طويلا في ذلك البيت إذ هجره إلى العاصمة وسواها من المدن التونسية، مقتفيا خطى أبيه القاضي حيثما حلّ، وأنّ البيت ملك لورثة من حقهم أن يتصرفوا فيه كما يشاؤون، لا سيما أنهم غادروا مدينتهم هم أيضا. ولكن ذلك لا يعفي الوزارة من مسؤوليتها أمام التاريخ، إذ كان بإمكانها أن تتدخل لشراء البيت من الورثة، كما فعلت وزارة الثقافة الفرنسية ببيت آلان روب غريييه، أحد رموز الرواية الجديدة، وهو لا يزال على قيد الحياة. لأن بيت الكاتب، ببساطة، ليس بيتا عاديا يترك للوارثين.

والحقّ أن الأسباب تعزى أساسا إلى غياب تقاليد ثقافية راسخة لا تكتفي بالكتب والمخطوطات والرسائل للحفاظ على ذاكرة هذا الكاتب أو ذاك، بل تتعداها إلى تخليد حضوره لدى قرائه وعشاقه ودارسيه بصيانة مَنشئه وعالمه وأجوائه الحميمة، فالكاتب فانٍ لا محالة ولكن مآثره باقية، وفي هذا يقول أنطونيو ماشادو “كل شيء يمرّ وكلّ شيء يبقى”.

البعض منهم لا يبقى من مروره غير أثر هارب، بعد أن عبر أمكنة لم يترك فيها بصمة ثابتة، عدا أدبه، فيما غيره، بإيثاره الاستقرار في مكان ما، ترك ما يروي تاريخه كله، حتى لنكاد نسمع في سكون مكتبه حفيف الورق وصرير القلم، ويخيل إلينا أن روحه حاضرة بيننا، ترمقنا عن كثب تستطلع أثر أعماله فينا.

نجد ذلك في فرنسا مثلا، حيث بيوت الأعلام مزارات ومعالم سياحية، لا يستثنى منهم حتى أولئك الذين اضطرتهم الحياة إلى التقلب بين مدن كثيرة، ومكابدة المنفى، مثل فكتور هوغو الذي لا يزال بيته الباريسي قائما في ميدان الفُوجْ. بل إن ثمة جامعة وطنية لبيوت الكتاب تنظم رحلات إلى المواقع الأدبية، سواء الأماكن التي كان يرتادها الأدباء والشعراء أو البيوت التي عاشوا فيها. وهذا لا يخص البلدان الغنية وحدها، إذ نجد العناية نفسها في بلدان خاملة الذكر، كبلغاريا التي لا تحتفي بذاكرة أدبائها فقط، وإنما أيضا بمن عبروا أرضها من مشاهير الأدباء كالفرنسي لامارتين، الذي لا يزال البيت الذي أقام فيه فترة وجيزة مزارا. فالمسألة إذن حضارية بالدرجة الأولى.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15