بيوت حارة الحمراء تحميها أبراج عمان وواحات النخيل الخضراء

الاثنين 2014/11/17
مدينة الحمراء تعيش في سكينة وتحتمي بواحات النخيل الخضراء

مسقط - شيدت بيوت حارة الحمراء القديمة التابعة لمحافظة الداخلية في سلطنة عمان، فوق الصخور بالطين والصاروج والأخشاب لتظهر براعة الإنسان وإتقانه للهندسة الفريدة التي اتبعها في بناء تلك المنازل التي تشبه إلى حد بعيد الحصون والقلاع من حيث التكوين الداخلي والتداخل بين الغرف والمجالس والقاعات المكشوفة التي تسمى بالبهو من أجل تسليط الإضاءة القادمة من الشمس أو القمر على أروقة تلك المنازل.

وتطلق على بعض البيوت المشهورة في حارة الحمراء القديمة أسماء معروفة من بينها بيت الصفاة وبيت المغري وبيت الفاجة وبيت الجبل وبيت الغنيمة وبيت النعمة وبيت الأدماني وغيرها من البيوت المتداخلة في أكثر من مبنى.

ولحارة الحمراء القديمة حكايات مع الأجداد والجدات وذكريات الأطفال وهم يمرحون ويلعبون في طرقاتها وسككها بما تملي عليهم الطبيعة التي عاشوا عفويتها، فالألعاب التقليدية كانت تمارس من قبل الكبار والصغار ومن بينها الرم والكربة والمزرة التي تصنع أدواتها من جذور وأغصان النخيل والأشجار المنتقاة.

وللنساء والفتيات ألعاب خاصة تمارس أغلبها في المساء وعلى ضوء القمر. وقد بقيت منها الذكريات التي قد تحفظها بعض الجدات والأمهات. وتأتي ممارسة تلك الألعاب بعد عناء كبير من العمل المرهق طوال اليوم فما تقوم به النساء من جهد يكاد يفوق ما يقوم به الرجل، فيتحملن مسؤولية البيت من تربية الأبناء وإحضار ما يلزم لإعداد الوجبات الغذائية من الماء الذي كان الفلج مصدره الوحيد، والحطب لإشعال وقود الطبخ إلى جانب الاعتناء بتربية المواشي.

بيت الصفاة من أشهر البيوت في حارة الحمراء القديمة


حارة الحمراء وتأمين الدفاع


لكي يعيش الانسان العماني القديم في أمان فقد أحاط حارة الحمراء القديمة بدفاعات لحمايتها من دخول أي شخص من خارج الولاية بعد صلاة المغرب، حيث بنيت أبراج للمراقبة تحيط بها، مثل برج الكبكبة وبرج الحديث وبرج دك الولجة وبرج مصلى العيد وبرج الشريعة.

وقد حظيت تلك الأبراج بمشروعات ترميم بالإضافة إلى برج شوين في الشمال وبرج شعشع في الشرق، الذي اندثر ولم يبق له أثر. كما اندثرت بعض هذه الأبراج والبعض منها لايزال قائما وحظي باهتمام وزارة التراث التي أولتها نصيبا من مشروعات ترميم المعالم الأثرية.

ولحماية الحارة، تمت إحاطتها بمنازل ذات ارتفاعات عالية. وبين كل عدد من المنازل تم إيجاد “صباح” معروف بالبوابة. ومن أشهر تلك “الصباحات” صباح المغري وصباح العالي، اللذين بقيا شاهدين بأبوابهما اوأسقفهما حتى الآن على الهندسة المعمارية القديمة في الحارة التي كانت بيوتها ملتصقة بعضها ببعض حتى لا يكون هناك منفذ للدخول من غير الصباحات.


سوق الحمراء والتنظيم


أما سوق الولاية فقد شهد نشاطا تجاريا كبيرا، حيث كان يشرف عليه شيخ الولاية الذي وضع له مراقبا ليحل النزاعات التي قد تحدث بين الباعة والمشترين وأصحاب البضائع التي يتم بيعها في السوق. وتم تنظيم السوق من حيث إيجاد عرص مختلفة للبيع والتي من بينها عرصة بيع السمن والعسل وعرصة بيع اللحوم وعرصة بيع الأسماك وعرصة بيع المنتجات الزراعية وغيرها.

وأحيطت بالسوق محلات تجارية تخللتها أبواب كبيرة تدخل منها الإبل وهي محملة بالأمتعة وتم تحديد أوقات يغلق بعدها السوق وتم تعيين حارس للسوق للفترة الليلية يقوم بغلق الأبواب في المساء وفتحها في الصباح.

كما تم إيجاد مواقع خاصة لممارسة الحرف والصناعات التقليدية وتسويقها في السوق ومنها محلات الصياغة ومحلات الحدادة وتصفير الأواني الخزفية وأماكن لصناعة الجلد والنسيج والحلاقين وغيرها.

لحماية الحارة، تمت إحاطتها بمنازل ذات ارتفاعات عالية

وبما أن القاصدين لهذا السوق من خارج الولاية يستقلون الدواب كالإبل والحمير فقد تم تحديد أماكن للاحتفاظ بتلك الدواب حتى انتهاء أصحابها من إنجاز معاملاتهم بالسوق ومن تلك الأماكن وادي السليل للإبل، حيث المرعى من أشجار السدر والنباتات الأخرى وحوش للحمير. ويتم بيع البرسيم على فترتين حتى يتمكن أصحاب تلك الدواب من إطعام دوابهم.

ومن بين أنظمة السوق أنه يتم إخلاؤه لأداء صلاتي الظهر والعصر على أن يترك مفتوحا. ولا يمكن المساس بأي من ممتلكاته لأن القوانين كانت صارمة لمن يثبت عليه ارتكاب سرقة أو تحايل.


العمل الزراعي


فلج الحمراء الذي شقته الأيادي الصلبة وسط الصخر، ينساب ليسقي كل شجرة من بساتينها الخضراء ومزارع وواحات النخيل المكونة للرقعة الزراعية الممتدة من منبع الفلج حتى أطراف الولاية، وقد دأب سكان الحمراء على أن تكون الزراعة أساس حياتهم فمنها تستخرج المواد التي تدخل في الصناعات الأخرى وقد كان الاعتماد على إنجاز العمل الزراعي القوة البدنية والدواب.

وترضخ حارة الحمراء القديمة اليوم تحت أقدام القوى العاملة الوافدة التي تستغل مقدراتها الطبيعية من البيوت ومصادر المياه وغيرها.

كما أنها من أشهر المواقع في الجذب السياحي فهي تستقبل الأفواج السياحية طوال العام. ويتأمل الزائرون للحارة القديمة قدرة الإنسان وتحديه للطبيعة القاسية التي تربطه بها علاقة قوية، حيث السكن وكفاح من أجل البقاء على الأرض. لكن ما أتت به النهضة الحديثة من تطور في الحياة وراحة الإنسان سحبت البساط من تحت الحارة القديمة، فتلاشت أهميتها.

لكنها بقيت منارة سياحية فريدة تحكي كفاح أبنائها وصمودهم أمام تحدي الطبيعة القاسية، فبعض بيوتها لم تستطع مقاومة عوامل الطبيعة وانهارت بفعل الأمطار والرياح والقدم.

20