بيوغرافيا

السبت 2015/07/04

شكلت البيوغرافيا نوعا كتابيا بدا عابرا للأجناس الأدبية ولغيرها من أنواع الكتابة، وبدت في كثير من الأحيان كجنس هجين يطل على قارئه من نوافذ إبداعية وفكرية مختلفة.

في العالم العربي، اتخذت البيوغرافيا مسارا يحتفظ بكثير من الخصوصيات، وذلك لقيامها على تصنيف معرفي كان يضع كتابةَ التراجم ضمن مجالات الكتابة التاريخية الصرفة. وهو تصنيف كان يستند إلى شيوع توظيف التراجم والمناقب في التدوين التاريخي للمراحل التاريخية عبر التدوين لرجالاتها، سواء كانوا سلاطين أو علماء أو فقهاء أو أولياء أو غيرهم. وكان هذا التوظيف، في الآن نفسه، وراء ما اكتسبته كتب التراجم من أهمية كمصدر معلومات أساسي للكتابات التاريخية. ويذهب المستشرق ليفي بروفنصال إلى أنه لولا كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان والديباج المذهب لابن فرحون، مثلا، لظلت زمرة وافرة من أمجاد الإسلام مجهولة مغمورة.

وانعكست الأهمية، التي حظيت بها كتب المعاجم، على مستوى التراكم الذي حققته. وهو تراكم يعود جانب منه أيضا إلى تعدد أنواع ومجالات كتب التراجم نفسها، حيث توزعت بين تراجم عامة، من بينها “الأعلام” للزركلي، وأخرى تخصّ صاحب الترجمة نفسه، ومنها “ثمرة أنسي في التعريف بنفسي” لسليمان الحوات، أو علَما معينا، ومنها “أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض” للمقرّي، أو طبقة من الأعلام، ومنها “تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء” للصابئ، أو أعلام منطقة، ومنها “جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس″ للحميدي، أو أعلام فترة زمنية محددة، كما هو الأمر بالنسبة لكتاب “الشرب المحتضر والورد المنتظر من معين أهل القرن الثالث عشر” لجعفر الكتاني، أو أعلام مهنة ما، ومنها “تعطير البساط بتراجم قضاة الرباط” لبوجندار، وأخرى مكرّسة للوفيات، ومنها الوفيات لابن قنفذ.

وكان هذا التنوع وراء تخصيص المستشرق الفرنسي ليفي بروفنصال لكتابه الهام “مؤرخو الشرفاء” للمتن المغربي على مستوى كتابة التراجم، وذلك لاقتناعه أيضا بكون هذه المؤلفات تشكل الوثائقَ المكتوبة والوحيدة التي يمكن أن نعثر فيها على معلومات تهمّ الطرق الدينية المنبثة في مجمل النواحي المغربية.

مع توالي السنين، ستتراجع كتابة التراجم، مع استمرار العودة إلى نصوصها القديمة عبر التحقيق. في مقابل ذلك، ستأخذ البيوغرافيا، على المستوى الكوني، مسارا آخر، مع وجود مؤسسات مختصة في المجال. ويمكن الإشارة فقط إلى تجربتين. تتمثل الأولى في سلسلة “الهُوز هُو” السنوية، والتي أطلقت بالولايات المتحدة الأميركية منذ نهاية القرن التاسع عشر، لتصدر في ما بعد بأكثر من طبعة، ومنها طبعة مغربية وأخرى لبنانية. أما التجربة الثانية، والأكبر على مستوى الكون، فهي قاعدة الأرشيف البيوغرافي التي أطلقتها دار سور الألمانية، وهي تشمل أكثر من 14 مليون ترجمة، عدد كبير منها خاص بأعلام العالم الإسلامي.

كاتب من المغرب

17