بيير بيرجيه رجل خيالي ومكتبة مسكونة بأشباح زبائنها الكبار

الأحد 2017/07/09
بيير بيرجيه خالق "مكتبة الأعمدة" بطنجة

لندن - لولا بيير بيرجيه لتحول معبد الكتب إلى مخبز. معبد الكتب هو مكتبة الأعمدة وهي أقدم مخازن بيع الكتب في مدينة الحكايات طنجة. وبيرجيه هو رجل أعمال فرنسي وجامع كتب نادرة وصاحب دار الموضة "إيف سان لوران" اختار أن يقيم في مراكش بعد أن وهب المغرب حديقة "ماجوريل" العجائبية التي أنشأها هناك مع زميله لوران عام 1980. 54 شارع باستور عنوان في طنجة وهو أيضا أحد عناوينها النفيسة.

صعودا إلى النعيم

يضحك نادل مقهى فرنسا حين أسأله عن ذلك العنوان. “قل مكتبة الأعمدة” ويشير إلى أعلى الشارع. لا أحد في طنجة يجهلها. إنها أثر عريق من زمن الكتب. قد تمرّ بها من غير أن تنتبه إليها. وقعها الروحي وهالتها العاطفية هما أكبر من حجمها الفيزيائي. لا شيء غريب في ذلك. دمية سومرية بحجم الكف هي أكثر تأثيرا وجمالا من ناطحة سحاب في منهاتن.

أشار عبدالعزيز جدير إليها فيما كنا نقف على الرصيف المقابل “من هنا كان جان جينيه يستلم الأموال التي تبعثها له دار غاليمار الباريسية من جراء بيع كتبه".

ودار غاليمار التي خصت مكتبة الأعمدة بتوزيع كتبها في شمال أفريقيا هي واحدة من أكثر دور النشر الفرنسية عراقة.

لا تبعد تلك المكتبة كثيرا عن فندق المنزه الذي أقمت فيه ذات مرة متوهّما أنّني أقيم في الغرفة نفسها التي أقامت فيها الفرنسية مارغريت يورسنار مؤلفة مذكرات هادريان. لقد تخيلت أنني أتبع أثرها وهي ترتقي صعودا في اتجاه شارع باستور. هل كان بيير بيرجيه يتبعنا؟

كل شيء جائز في المدينة اللغز التي تصطف مدافعها في ساحة المعاقين كما لو أنها تستعد لضرب سفن الغزاة في البحر. “هل رأيت جان جينيه يعبر الشارع إلى المكتبة؟” سألت عبدالعزيز. “بل رافقت بول بولز إلى المكتبة في واحدة من زياراته” أجابني.

ملتقى الباحثين عن الإلهام

تأسست مكتبة الأعمدة عام 1949 من قبل البلجيكي روبير جيروفي الذي كان يعمل معلما في المدرسة الفرنسية العليا بطنجة. زوجته إيزابيل وأخته إيفون هما اللتان قامتا بإدارة محل صغير لبيع الكتب حين التحقتا به.

وبسبب صلات روبير بالأوساط الأدبية الفرنسية فإن مكتبته سرعان ما تحولت إلى صالون أدبي. أدارت السيدتان جيروفي المكتبة ما بين عامي 1950 و1976 أي إلى سنّ التقاعد. يومها تولت إدارة المكتبة راشيل موبال السيدة المغربية التي صنعت الجزء الأهم من أسطورة تلك المكتبة قبل أن تترك العمل هي الأخرى ذاهبة إلى التقاعد عام 1998.

فضاء ثقافي في مدينة تعدّ بأكثر ممّا يُرى منها

مع موبال التي التحقت بالعمل مساعدة صغيرة ثم صارت السيدة الأولى تحولت المكتبة إلى مقر للباحثين عن الإلهام في مدينة الأسرار والألغاز والسحرة والحواة. صار في إمكان المرء أن يرى هناك أدباء وفنانين مغاربة وأجانب قدموا من مختلف أنحاء الأرض مبهورين بسمعة المدينة التي لا تنام.

كل من زار طنجة أو أقام فيها كانت له حكاية مع مكتبة الأعمدة. الطاهر بن جلون، محمد شكري، جون هوبكنز، مارغريت يورسنار، صموئيل بيكيت، بول بولز، غافن يونع، كارلوس فونتيس، كلاوديو بارفو، إلينا برنتس، لورانس ميونت، رشيد تافريسي، أمين معلوف، تينسي وليامز وقديس الأدب وصعلوكه جان جينيه طبعا.

نهاية التسعينات من القرن الماضي وبعد أن غابت السيدة موبال فقدت المكتبة بريقها وصار يديرها باعة كتب هامشيون وكان ذلك إيذانا بزمن أفولها وهو ما جعلها تقترب من الضياع حتى كادت تتحول إلى مخبز لولا ظهور بيرجيه رجل الفن والأدب والأناقة الذي قرّر أن يضع المكتبة في مكانها الحقيقي فضاء ثقافيا في مدينة تعدّ بأكثر ممّا يُرى منها. المدينة التي كانت عالمية بسبب إدارتها كانت عالمية أيضا بسبب عشاقها المدرّبين على صنع الجواهر من الحصى، سادة الكلمات الذين اهتدوا إلى دروبها الخفية.

يدير المكتبة منذ إعادة افتتاحها بيير سيمون هاملان الذي يشرف في الوقت نفسه، كونه كاتبا، على المجلة الأدبية “نجمة” التي تصدر عن منشورات المكتبة إلى جانب كتب باللغة الفرنسية كما تنظم المكتبة لقاءات بين القراء والكتاب المغاربة والأجانب وتقيم ورشات عمل للكتابة.

العالم في كتاب

بيير بيرجيه (1916) الذي قرّر الإقامة في مراكش حيث أقام هناك متحفا لصديقه العبقري إيف سان لوران كان حاضرا في المكتبة وإن بصفته كاتبا. لقد نشرت المكتبة ترجمة إلى العربية لكتابة “رسائل إلى إيف”.

ولكن بيرجيه كان قد تخلّى عن مكتبته الشخصية في الوقت نفسه الذي حفظ لطنجة كنزها الثقافي كما توصف مكتبة الأعمدة.

لقد رأيت الوضع الرثّ الذي انتهى إليه مسرح سرفانتس في طنجة وهو موقع لا يقل قيمة عن مكتبة الأعمدة لا لشيء إلا لأن ذلك المسرح لم يُهيّئ له القدر رجلا مثل بيرجيه لينقذه من الإهمال.

بيرجيه تعلّم الكتابة من عالم الموضة

كان بيرجيه جامع كتب ومخطوطات أصلية. لقد عرف طريقه إلى الكتاب من خلال الشغف بالروائع.

مخطوطات لغوستاف فلوبير وأندريه بريتون وفيلسوف عصر النهضة ميشال دو مونتين وستاندال والماركيز دو ساد وأندريه جيد وجان كوكتو. قبل أن يتخلّى بيرجيه عن مكتبته من خلال عرض محتوياتها في المزاد كانت تلك المكتبة قد تنقلت شرقا وغربا في معارض احتفلت بالرجل الخارق الذي أدرك أن العالم يمكن اختزاله في كتاب.

ألف وستمئة كتاب من بينها الطبعات الأولى لكتاب للقديس أوغسطين كان قد طبع عام 1470 لم يعد بيرجيه وهو الذي عُرف بعلاقته المتعوية بالأشياء في حاجة إليها، لذلك عرضها للبيع بعد أن أنفق الملايين في شرائها.

المكتبة مطبخ للكتابة

أنقذ بيير بيرجيه مكتبة الأعمدة من الاندثار والضياع، غير أنه في الوقت نفسه كان مخلصا لذاته. فالرجل الملهم الذي يملك خيالا واسعا في مجال صناعة الأموال كان ملهما في اكتشاف حقائق الفن والأدب وهو ما أهّله أن يهب البشرية مبدعا خلاقا في مجال الموضة هو إيف سان لوران، ملهمه الجمالي ورفيق حياته.

كان إيف هبة بيرجيه إلى البشرية. رجلان قررا أن يصنعا مزاج وذائقة عصر. هما مثقفان من طراز خاص ونادر. ذلك لأن بيرجيه لم يكن رجل مال خالص ولم يكن لوران مجرد خياط.

عاش بيير بيرجيه حياة عظيمة. كان رجلا صنع قدره بأناقة ونبل. وهو ما انعكس على مكتبة الأعمدة التي لن تكون في عهده مجرّد مخزن لبيع الكتب بل كانت مطبخا للكتابة. لربما تعلّم بيرجيه الكتابة من عالم الموضة. غير أنه وقد تعلم التمرد من صديقه إيف يعرف أن الكتابة تشبه العالم بتشعّب دروبه. لذلك صنع من المكتبة مختبرا للكتابة. لقد فتح بيرجيه المكتبة على عالم التجريب الإبداعي وهو ضالته في الوجود.

حين أقام بيير بيرجيه في مراكش كان يدرك أن الحياة الجميلة في المدينة الحمراء كانت قد سبقته إلى الجمال، غير أن وفاءه لذكرى خلّه الوفيّ إيف سان لوران سبقه هو الآخر إلى مصيره مواطنا عالميا وهب المغرب شيئا من عبقريته. لا أحد في إمكانه أن بفك لغز العلاقة التي ربطت بين الرجلين، بيرجيه ولوران غير أن صنيعهما الجمالي لا يزال يهب البشرية الكثير من رقة عاطفته، وهي عاطفة صارت الأناقة عنوانها.

10