"بي بي سي" العربي

الأربعاء 2017/06/21

قبل سنوات من وفاته، اتهم الصحافي الراحل محمد حسنين هيكل القسم العربي في “بي بي سي” بأنه أحد أذرع المخابرات البريطانية الخارجية (إم أي 6)، ووصف وجود مركز بث لهذا القسم في القاهرة بأنه شبيه بمنح بريطانيا قاعدة عسكرية في مصر.

كان هيكل يبالغ كثيرا في تصوير خطورة “بي بي سي” العربية التي لم تعد قاصرة على “الإذاعة” فقط، بل امتدت إلى التلفزيون ومواقع الإنترنت، والحقيقة المعروفة والمعلنة هي أن جهاز الـ”بي بي سي” الداخلي المتعدد القنوات والإذاعات التي تتوجه إلى الشعب البريطاني، يتبع جهاز الـ”بي بي سي” (الأصلي) المستقل الذي يعتمد اعتمادا أساسيا على حصيلة الضريبة المفروضة على اقتناء أجهزة التلفزيون والتي يدفعها سنويا أصحاب المنازل التي تتوفر فيها هذه الأجهزة، أو يقوم بتقسيطها على عشرة أشهر، مقابل الاستمتاع بخدمة متميزة من قنوات “بي بي سي” على أن تظل خالية من الإعلانات التجارية.

أما الخدمة العالمية من “بي بي سي” (بي بي سي وورلد سيرفيس)، فهي تشمل أولا القسم الإنكليزي (بي بي سي وورلد) الذي يبث للعالم كله، ثم ما يعرف بـ”أقسام اللغات” وهي تتلقى تمويلها من وزارة الخارجية البريطانية، وتبث باللغات إلى مناطق وبلدان تعتبرها السياسة البريطانية في حاجة إلى نوع من “التنوير” في ما يتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية والانفتاح السياسي.. إلخ.

وأكبر هذه الأقسام وأعرقها، القسم العربي الذي تأسس عام 1938، ثم أقسام الفارسي والروسي والتركي والبرتغالي ولغات أخرى عديدة أفريقية وآسيوية تبلغ حاليا 34 قسما.

لا توجد علاقة بين المخابرات الخارجية وأقسام اللغات في “بي بي سي”، لكن هناك دون شك صلة ما بينها وبين الخارجية البريطانية، أي مع القسم الخاص بالإعلام الخارجي في الخارجية، ولا شك أيضا أن رئيس أقسام اللغات في الخدمة العالمية من “بي بي سي” يجتمع بشكل دوري مع مسؤول الإعلام الخارجي في الخارجية البريطانية للتشاور والتنسيق في ما بينهما.

وينقل المسؤول الكبير إلى المسؤولين الأصغر منه، أي رؤساء القطاعات ثم رؤساء الأقسام، ما يراه من تعليمات، لكن لا يجب أن يتخيل أحد أن ينزل مسؤول بريطاني -أيا كان وضعه أو صفته- من مكتبه الواقع في طابق آخر من مباني الـ”بي بي سي”، لكي يتحدث إلى محرر في القسم العربي مثلا أو حتى إلى رئيس قسم، يطلب منه مراجعة التقرير الذي أعده أو عناوين النشرة التالية قبل بثها، أو وضع خبر معين أو حذف تقرير ما.

هذا النوع من التدخلات على الطريقة العربية والعالم-ثالثية، غير وارد أصلا، وأنا أكتب من واقع تجربة عملية مباشرة داخل هذا القسم، لسنوات، ومتابعة لما كان يحدث هناك حتى في أكثر الفترات توترا واضطرابا من الناحية السياسية في الشرق الأوسط.

وما أكثر ما نشر “بي بي سي” العربي أنباء عن مشاكل داخل الجهاز الإداري في “بي بي سي” العالمية دون أي قيود أو اعتراضات، بل إن العاملين بالقسم العربي نظموا أكثر من مرة إضرابا عن العمل بثت أخباره كل قنوات “بي بي سي” دون تردد أو حرج أو محاولة للاختباء والتخفي.

كانت لهذه الإضرابات بالطبع تداعيات على مستقبل عدد من المسؤولين في الخدمة العالمية والقسم العربي، بعد أن حُملوا مسؤولية تفاقم الأوضاع ووصولها إلى حد الإضراب للمرة الأولى في تاريخ الخدمة العربية.

خلال السنوات التي سبقت ما عرف بـ”الربيع العربي” لوحظ توظيف أعداد كبيرة ممن ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وكان واضحا تمركز هؤلاء داخل القسم العربي ووصول عدد منهم إلى مواقع قيادية باعتراف أحد قيادات الإخوان في حديث مسجل بث على يوتيوب، ولا شك أن هذا كان ضمن خطة مدروسة من جانب قيادات “بي بي سي”، ربما تمهيدا لوصول الإخوان إلى السلطة في مصر وهو ما حدث بالفعل، لكن الزمن دوار!

ناقد سينمائي مصري

16