بُنّة خالد.. فنانة سودانية شابة حياتها أشبه بفيلم

الممثلة السودانية تقول إن فيلم "ستموت في العشرين" جعلها أقوى رغم ما عانته من مصاعب لدخول عالم الفن السابع.
الثلاثاء 2020/03/24
بُنّة خالد في الفيلم كما هي في الحياة.. نظرة إلى واقع أفضل

اسمها، الفني بُنّة خالد، حبّة بنّ واحدة، كلونها الأسمر، كافية لتُغيّر نظرة المجتمع السوداني المحافظ إلى العظم تُجاه طموحات شابة مُتمرّدة على التقاليد والأعراف. كابدت الويلات من أجل أن تكون هي كما توّد أن تكون، لا كما يودّون لها أن تكون، الحجر، التهديد والوعيد، فآثرت الهروب.. ثم الانتظار. “العرب” التقت الفنانة السودانية الشابة، إسراء خالد (اسمها الحقيقي) على هامش مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في دورته التاسعة، فزفّت إلينا طموحاتها رغم الألم.

واثقة رغم الخوف، مُكابرة رغم الوجع، مُتفائلة رغم المرارة، هذه العبارات لا يُمكن أن تلخّص حجم ما عانته الشابة السودانية بُنّة خالد من أجل تحقيق حلمها في اقتحام مجال مُلغم، ألا وهو التمثيل، وسط مجتمع ذكوري تشبّع على مدى ثلاثة عقود بقواعد اجتماعية ودينية صارمة إلى جانب العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية، زمن الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير.

وتبدو حياة الممثلة السودانية الشابة، بُنّة (26 عاما) أشبه بأحداث فيلم “ستموت في العشرين” لأمجد أبوالعلاء الذي شاركت فيه بشخصية “نعيمة”، الفتاة التي تمرّدت على التقاليد والأعراف من أجل التمسّك بحبّ حياتها. لكن الصدّ الذي واجهته من حبيبها “المزمّل” جعلها تختار/مُرغمة الهروب إلى الوراء، وهو ما حصل لها تماما في الواقع، مع ضرورة التنسيب.

هنا حوار مع بُنّة خالد التي التقتها “العرب” على هامش عرض فيلم “ستموت في العشرين” لمخرجه أمجد أبوالعلاء، في نطاق ضيق، بمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في دورته التاسعة، بعد قرار القائمين على المهرجان إيقاف العروض الجماهيرية إثر تفشي فايروس كورونا المُستجد “كوفيد – 19” على مدا واسع بصعيد مصر.

بين الواقع والخيال

تجربتها الأولى في عالم التمثيل
تجربتها الأولى في عالم التمثيل

الفنانة السودانية الشابة، بُنّة خالد، لعبت في فيلم “ستموت في العشرين” دور “نعيمة”، وعنه تقول “هي تمثل الحياة في الفيلم، هي الحب، هي الأمل.. أحبّت المزمّل الذي يعيش أسير نبوءة أنه سيموت في العشرين. وهي في عامها السابع عشر، لم تصدّق الأمر، حاولت إقناعه برأيها، فلم يستمع إليها.. لتنهار في الأخير وتتزوّج من رجل آخر”.

و”ستموت في العشرين” هو الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج السوداني أمجد أبوالعلاء وسابع فيلم في تاريخ السودان، استغرق تصويره سنتين، حيث بدأ تصويره في سبتمبر 2018، ليتوقّف إثر ذلك بسبب أحداث الثورة السودانية، وتم استكماله فيما بعد.

واستوحى أبوالعلاء أحداث الفيلم وشخصياته من رواية “النوم عند قدمي الجبل” للكاتب السوداني حمور زيادة. وتدور أحداثه بمحافظة الجزيرة (جنوب مدينة الخرطوم)، حيث يُولد شاب في قرية سودانية تعتنق أفكارا صوفية، وتصله نبوءة تُفيد بأنه سيموت في سن العشرين، فيعيش أيامه في خوف وقلق، إلى أن يظهر في حياته سليمان، وهو مصوّر سينمائي مُتقدّم في العُمر.

يسعى سليمان، لإخراج المزمّل (قام بالدور مصطفى شحاتة) من حالته، كي يُكمل حياته بشكل طبيعي. وفي الأثناء يُداهمه العشق من قبل الفتاة “نعيمة” (بُنّة خالد) التي حاولت المُضيّ به قُدما نحو حياة ملأها الغرام، لكنه يرفض حبها.

كما تحدث له تحديات وعوائق كثيرة، إذ يهاجر والده إلى أديس أبابا، طلبا للعمل، وهو الهارب من مسؤوليته تجاه عائلته، فتتعقّد حياة البطل.

وتقول بُنّة “الفيلم، هو تجربتي الأولى في عالم التمثيل، وأنا القادمة من عالم الإعلانات كـ’موديلز’، التقيت أمجد في مهرجان سودان فيلم فاكتوري، حيث كنت من جملة المشاركين في هيئة تنظيم المهرجان، فاقترح عليّ الشخصية، ثم تقدّمت للكاستينغ وتمّ قبولي لأداء الدور”.

ولا تُخفي الفنانة السودانية ما كابدته من مشاق إثر عرض الفيلم، على منصّات التواصل الاجتماعي في السودان، وهي سليلة عائلة مُحافظة ومرموقة، بالخرطوم، حيث ما أن علم والدها بكونها قبّلت في الفيلم البطل، (قبلة خفيفة على فم المزمّل) حتى حبسها في البيت، وخيّرها بين الزواج أو القتل.

الفنانة السودانية كابدت العديد من المشاق إثر عرض الفيلم على منصات التواصل في السودان، وهي سليلة عائلة مُحافظة ومرموقة

ومع ذلك لم تخف أو ترتبك، بل اعتبرت أن هذا الأمر طبيعي، وعليها أن تتحمّل نتيجة خياراتها، لكنها أشارت لـ”العرب” إلى أنها شعرت بالرهبة حين قصّ والدها شعرها، لما لشعر المرأة الطويل من رمزية في هكذا مجتمعات تقليدية. حينها، فقط، قررّت الهرب من البيت، بل ومن البلد أصلا.

وتضيف “كانت أطول أربع ساعات مرّت عليّ، تلك التي مكثتها في مطار الخرطوم، في انتظار إقلاع طائرتي إلى مطار القاهرة، كنت خائفة أن يراني أحد معارف والدي ويخبره، فتكون الكارثة”.

وفي سؤال “العرب” لماذا مصر تحديدا؟ أجابت “لأن السفر إلى مصر لا يستدعي تأشيرة، وربما أيضا كي أستكمل حلمي بالتمثيل في هوليوود الشرق”.

وتعترف بُنّة أنها ما كانت تتوقّع في يوم ما أن تقتحم مجال التمثيل، قائلة “كانت تجربة مُرعبة بحق، فمن الصعب التغيير من مجال إلى مجال، رغم تحمّسي الشديد للتجربة، ومع ذلك انهرت وبكيت مع أول مشهد تصوير، وقلت ‘مش عايزة أشتغل’ (لا أريد العمل في هذا المجال). أمجد وقف إلى جانبي كثيرا، وقاتل مع الممثلين من أجل أن يصل الفيلم إلى المرحلة التي ظهر عليها، وينال العديد من الجوائز”.

وحاز فيلم “ستموت في العشرين” على العديد من الجوائز العالمية والعربية، لعل أهمها جائزة مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي “أسد المستقبل” لأفضل عمل أول في دورته الـ76، وجائزة مهرجان الجونة السينمائي لأفضل فيلم روائي طويل في دورته الثالثة، وجائزة التانيت الذهبي في مهرجان أيام قرطاج السينمائية نوفمبر 2019.

ومع ذلك لم ينل العمل إعجاب عدد كبير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي في السودان، فهاجمه البعض بسبب ما قالوا إنه “تشويه لصورة السودانيين”، فيما دافع عنه غيرهم، قائلين إنه يعرضُ واقعا موجودا بالفعل.

مجتمع صوفي

Thumbnail

عن هذا الجدل والانقسام في الآراء حول الفيلم، تقول بُنّة خالد “نحن في السودان، لدينا سودانان، سودان مُحافظ بشكل مُبالغ فيه، وسودان مُثقّف ومُنفتح على الحريات والثقافات، وإن لماما، خاصة إثر انهيار نظام البشير الإسلامي”.

وردا على سؤال “العرب” إلى أيّ مدى يُسيطر فكر النبوءة على المجتمع السوداني، قالت “السودان بطبعه صوفي جدا، وأهله يتّبعون الشيوخ بطريقة مُخيفة، فهم يؤثّرون كثيرا في حياة الناس، لكن أصبح هناك تطوّر واختلف الوضع الآن، وبدأنا ننظر إلى الدين بطريقة مُغايرة، والجيل الجديد لم تعد له علاقة بهذه الأمور”.

وكان السلوك العام للمرأة، في زمن البشير، مقيّدا بضوابط شديدة للغاية، فكانت عقوبة ارتداء النسوة للسراويل، مثلا، تصل حدّ الجلد. ولا يمكن للمرأة السودانية أن تخرج إلى الشارع دون وضع “الطرحة” (وشاح) فوق رأسها، وإلاّ عُدّت ناشزا.

وبالرغم من أن شبكة البشير ذات الجذور الإسلامية العميقة توارت في مكان بعيد من المشهد منذ سقوطه في أبريل 2019، إلاّ أن بعض التحرّكات، بما في ذلك دعوات من قبل جماعة متمرّدة جنوبية لإقامة دولة علمانية، تسبّبت في رد فعل عنيف على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ندّد الواعظ عبدالحي يوسف، من التيار المحافظ المتشدّد بوزيرة الشباب والرياضة، ولاء البوشي، بسبب تنظيم دوري لكرة القدم للسيدات.

ويقول ناشطون إن التقدّم غير مؤكّد بموجب اتفاقية تقاسم السلطة بين الجيش وجماعات مدنية والتي من المقرّر أن تستمر حتى أواخر عام 2022. ويشتكون من أن التشريعات التي يستند إليها قانون النظام العام ما زالت موجودة، وأن النساء غير محميات من التحرّش الجنسي أو الاغتصاب. كما أن عدد النساء اللاّتي يحصلن على وظائف سياسية قليل للغاية.

وعن ذلك تقول بُنّة “ما تم إنجازه إلى حد الآن، لا يتوافق مع ما قدّمته المرأة السودانية في الثورة والتغيير، ومع ذلك سيتغيّر الوضع نحو الأفضل، أنا مُتأكدة من ذلك”.

وتستقرّ بُنّة خالد حاليا في القاهرة، حيث تعمل في مجال الإعلانات، لتوفير قوتها اليومي، وهي تسعى لتثبيت قدميها في عالم التمثيل بهوليوود الشرق، كما توصّفها، مُعربة عن أملها في أن يأتي فيه اليوم الذي يفتخر فيه والدها ومن ثمة عائلتها، وكل السودانيين، بمشوارها الفني الذي ترنو إلى تحقيقه بالتراكم وتعدّد التجارب السينمائية والتلفزيونية على حد سواء. لتختتم حوارها مع “العرب” بقولها “بكرة خير (غدا سيكون أفضل)، بحول الله”.

16