تآكل احتياطيات الصناديق الاجتماعية يكشف هشاشة اقتصاد تونس

انعكس الركود الاقتصادي وتباطؤ النمو في تونس طيلة السنوات الخمس الأخيرة على وضعيات الصناديق الاجتماعية بعد أن أصحبت ترزح تحت وطأة العجز المالي، لدرجة أن الأوساط الاقتصادية تتحدث عن إفلاس غير معلن لها.
الأربعاء 2016/09/28
طاقات مهدورة

تونس - أكد خبراء أن وضعية الصناديق الاجتماعية في تونس تتطلب القيام بإصلاحات عميقة لإنقاذها عبر إعادة هيكلتها والنظر في مساهمات الموظفين والعاملين في القطاعين العام والخاص، والتي تشكل جزءا مهمّا في موازناتها.

ووصف بدر السماوي، الخبير التونسي في الضمان الاجتماعي، التشخيص المقدم من قبل الحكومات التونسية المتعاقبة لواقع أزمة الصناديق الاجتماعية بـ”الأعرج”.

ويقول إن الأرقام المتعلقة بانعكاسات الترفيع في سن التقاعد هي أرقام غير دقيقة وأن وزارة الشؤون الاجتماعية نكثت بالاتفاقيات السابقة لا سيما تلك المتعلقة بمشروع قانون الترفيع الاختياري في سن التقاعد.

وفي المقابل، يعتقد البعض أن هذا الإجراء لن يكفل إنقاذ تلك الصناديق بالشكل المطلوب وانتشالها من عجزها المالي خاصة مع كلفة هذا الترفيع على سوق العمل في بلد يعاني من نسب بطالة مرتفعة.

بدر السماوي: تشخيص الحكومات المتعاقبة لواقع أزمة الصناديق الاجتماعية أعرج

ويعود الخلل في التوازنات المالية للصناديق بالأساس إلى عدم تسديد العديد من الوزارات لمساهماتها، كما أن الكثير من الشركات الخاصة لم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها جراء تعطّل عجلة الإنتاج عن الدوران بالشكل الذي كانت عليه في السابق.

وكان وزير الشؤون الاجتماعية السابق محمود بن رمضان قد أكد في مارس الماضي، أن الصناديق الاجتماعية تمر بأزمة كبيرة، حيث أنها لم تعد تملك أي احتياطي مالي ودخلت في مرحلة العجز.

وطالب حينها باتخاذ إجراءات عاجلة على غرار المضي في قرار الترفيع الاختياري في سن التقاعد والنظر كذلك في إمكانية الترفيع في مساهمة المنخرطين للحد من حالة العجز المتفاقم في الصناديق الاجتماعية، لكن لم يطرأ أي تغيير لحد الآن.

ولئن كان الصندوق الوطني للتأمين على المرض، الذي أنشئ في سنة 2007 كنسخة تونسية من النموذج الفرنسي بهدف تخفيف الضغط الكبير على الصندوقين الأقدم في البلاد، إلا أنه يعاني من عجز لافت بسبب شح السيولة النقدية.

ورفض الكثير من المتعاقدين مع الصندوق، وهم أطباء القطاع الخاص والصيادلة خلال الأشهر الأخيرة الاستمرار في العمل معه بعد أن تكبوا خسائر جراء عدم حصولهم على الأموال التي من المفترض أن يسلمها لهم الصندوق لقاء تقديم خدماتهم للمراجعين.

ورغم أن الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية الذي يخص موظفي وعمال القطاع العام، الأكثر توازنا بسبب دعم الدولة، لكنه بات تحت مظلة العجز أيضا إلى جانب الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الذي يرتكز نشاطه على مساهمات موظفي القطاع الخاص.

وبحسب أرقام غير رسمية، فقد بلغ عجز الصناديق الثلاثة في السنوات الأخيرة قرابة مليار دينار (نصف مليار دولار)، وهذا الأمر يجعل من الحكومة أمام أمر واقع يتطلب رؤية جديدة من أجل استدامتها.

لكن الأرقام تبدو أكثر بكثير من ذلك، فقد أشارت أرقام المعهد الوطني للإحصاء إلى أن هذا العجز يهم الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية فقط، وأن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي دخل للمرة الأولى في عجز دون أن يكشف عن قيمته.

وعزز هذا القول ما أشار إليه كمال المدوري، مدير عام الضمان الاجتماعي في وزارة الشؤون الاجتماعية، حينما قال في وقت سابق، إن عجز الصندوق الوطني للتأمين على المرض بلغ 741 مليون دينار (336 مليون دولار).

محمود بن رمضان: الصناديق الثلاثة لم تعد تملك أي احتياطي مالي ودخلت في مرحلة العجز

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن العجز المالي للصناديق قد يصل إلى مليار دولار، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول عدم إعلان الدولة بشكل صريح عن الأرقام الحقيقية لهذا العجز والعمل سريعا على حل هذه المشكلة.

وتوضع الاستراتيجيات التنموية للحكومات المتعاقبة، حتى منذ عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، في قفص الاتهام حيث أدت، وفق المختصين، إلى صعوبات في الإدماج المهني كما تعددت مديونية الشركات للصناديق الاجتماعية.

وبدأت المؤشرات السلبية لهذه الصناديق تظهر منذ عقد تقريبا إذ حذرت الأطراف المعنية، المتمثلة في الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل حينها من تواصل العجز المسجل والذي شهد تفاقما بالتوازي مع انخفاض نسب النمو بعد يناير 2011.

وظهرت أولى بوادر هذه الأزمة في بداية تسعينات القرن الماضي، حيث أقرت السلطات في 1994 الترفيع في نسبة المساهمة بعنوان أنظمة التقاعد في القطاع العام لتصبح 2.2 نقطة.

وبعد سنوات وتحديدا في العام 2007 تم الترفيع بعنوان مختلف أنظمة التقاعد في القطاع العام بثلاث نقاط إضافية، لتشهد عملية رفع جديدة بنقطة واحدة بداية من يوليو 2011.

ويقول العديد من المختصين إن أسباب هذا العجز هي ارتفاع أعداد المساهمين المحالين على التقاعد المبكر، أي قبل سن الستين، في القطاع العام حيث تشير الإحصائيات إلى أنهم بلغوا قرابة 60 بالمئة من مجموع المحالين على التقاعد.

10