تأثير آراء الآخرين.. تشويش فكري أم إثراء اجتماعي

يختلف تأثير آراء الآخرين على الإنسان من شخص إلى آخر، بحسب الصفات الشخصية التي يتمتع بها كل فرد ودرجة استقلاليته وثقته في نفسه، إضافة إلى مستواه الثقافي والمعرفي، إلا أن هذا التأثير يظل أحد الروافد الرئيسية لتكون شخصية الإنسان باعتباره المحدد الرئيس لآرائه واتجاهاته.
الجمعة 2015/10/16
التأثير في الآخرين قدرات يتمتّع بها أشخاص دون غيرهم

يتكون المحيط الاجتماعي المؤثر في آراء الفرد من المحيط القريب وهو الأسرة، ثم محيط الأصدقاء، الذي يُعتبر المحيط الأكثر تأثيرا في شخصية المرء بدرجات متفاوتة، وهناك أيضا محيط العمل، إضافة إلى التأثير العام، والذي يُعتبر عنصرا غير مباشر في المحيط المجتمعي وتكوين آراء وشخصية المرء.

ويذكر الدكتور هوارد جاردنر، أستاذ علم النفس بجامعة هارفارد، في كتابه “فن وعلم التأثير في الآخرين وتغيير آرائهم”، أن هناك عناصر أساسية يتم من خلالها التأثير في الآخرين وتغيير آرائهم واتجاهاتهم ومنها بالأساس: العقلانية والمنطق والأبحاث وأحداث العالم الواقعي، ومدى المقاومة التي تلقاها الفكرة الجديدة، وكل هذه الأمور تشكّل معا جزءا من إجراءات صناعة الرأي.

وفي هذا السياق قال الدكتور شريف محمد، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة: إن الإنسان بطبيعته نظام اجتماعي مفتوح يؤثّر ويتأثر بمحيطه، إلا أن درجة التأثير تتفاوت من شخص لآخر بحسب سماته وقوة شخصيته وقناعته، ومستواه الثقافي والمعرفي اللذين يشكّلان قوته الفكرية واقتناعه بآرائه واتجاهاته.

وأوضح أنه كلما زادت قوته الفكرية أصبح المرء مؤثّرا في المجتمع، وكلما تراجعت كان المرء أكثر تأثّرا بمحيطه الاجتماعي، مشيرا إلى أن اهتمام المرء بآراء الآخرين واكتراثه لنظراتهم له يجب أن يكونا على حساب مساحة قناعته الشخصية وثقته بنفسه.

وتابع: نتيجة لذلك يقضي المرء معظم حياته في تحسين وتطوير صورته لكي تبدو بشكل أفضل للآخرين، وليس بما ترتضيه ذاته، ويأتي الاعتقاد بأن أفضل استراتيجية في هذه العملية هي التقليد، كون التقليد هو الاستراتيجية المستخدمة التي يعتمد عليها المرء منذ سن الطفولة فصاعدا.

ومع مرور العمر يستمر الفرد في محاكاة الآخرين، باعتقاد أن اتباع طرق الأشخاص الذين يحيون حياة طيّبة ولائقة وناجحة إلى حد ما، لا يمكن أن تكون مخطئة على الإطلاق، وهنا يكمن الخطر في تراجع شخصية المرء لصالح سيطرة آراء الآخرين ويظل حبيسا في إطار التقليد والمحاكاة للنماذج الناجحة، فيصبح تابعا ولا يستطيع أن يكون واحدا من تلك النماذج الناجحة.

مع مرور العمر يستمر الفرد في محاكاة الآخرين، باعتقاد أن اتباع طرق الأشخاص الذين يحيون حياة طيّبة ولائقة وناجحة إلى حد ما، لا يمكن أن تكون مخطئة على الإطلاق

بينما ترى الدكتورة فيفيان فؤاد، أستاذ علم النفس بجامعة حلوان، أن آراء الآخرين هي جزء لا يتجزأ من رأي الفرد الذي يكونه، بما أن المجتمع يمثّل رافدا أساسيا لمعلومات الشخص ودرجة مصداقيتها، مشيرة إلى أن تأثّر الفرد بمحيطه لا يعني ضعف شخصيته، وإنما تفاعل اجتماعي إيجابي يعزّز به قدراته المعرفية ورجاحة آرائه، مؤكدا أنه لا يمكن أن ينعزل الفرد عن المجتمع وما يدور في محيطه، إلا أنه يجب أن يحتفظ بقدر من الاستقلالية تحافظ على رأيه وشخصيته.

وأضافت فؤاد: الفرد يجب أن يؤثّر في الآخرين كما يتأثّر بهم، وألا يكون مجرد متلقٍ للتوجيهات والآراء والمعرفة، وإنما يكون مصدرا لها أيضا حتى يكون شخصا متواجدا ومتفاعلا في المجتمع.

أما الدكتور خليل فاضل، استشاري الطب النفسي، فأشار إلى أن عدم اليقين في الاتصال مع أنفسنا وعدم الثقة في النفس يعدان من أبرز أسباب التأثر بالآخرين والأخذ بآرائهم، ليصبحا بمثابة الأساس لرغبتنا في إقناع الآخرين بأننا جيدون، وتصبح السمات الشخصية للفرد متولدة من آراء الآخرين، ويظل يعيش حياته تحت تأثير الآخرين، مؤكدا أنه لخطأ جسيم أن يؤمن الشخص بأنه يرى وجهه الحقيقي في مرآة آراء الآخرين، حيث لا يوجد رأي قادر على عكس الحقيقة ووجودنا الداخلي، ومن المستحيل أن نعرض أنفسنا الداخلية الحقيقية على الآخرين.

وتابع: إذا أردنا حقا معرفة ذواتنا يجب أن تكون لدينا القدرة على الابتعاد عن مرآة آراء الآخرين، والتركيز على أنفسنا بدلا من أن نلتفت إلى ما يعتقده الآخرون عنا، فعلى سبيل المثال، يجب أن تكون القضية الحقيقية لنا، هل نحن حقا سعداء وليست هل يرانا الآخرون سعداء؟ ونصح فاضل للخلاص من تأثير آراء الآخرين، بفهم أن الطريقة الوحيدة لمعرفة ذواتنا وتشكيل رأينا تكون من خلال الخبرة الشخصية والاعتماد على المعرفة الذاتية، وليست من خلال آراء الآخرين.

وأوضحت الدكتورة رضوى إبراهيم، أستاذ علم النفس بالجامعة الأميركية في القاهرة، أن التأثير في الآخرين هو قدرات يتمتّع بها أشخاص دون غيرهم، والذين يملكون القدرة على تغيير آراء الآخرين واتجاهاتهم، لافتة إلى أن ذلك يأتي بالتدرّج حتى يكون منطقيا وواقعيا وليس سريعا.

وتابعت: صعوبة تغيير آراء الآخرين تنبع من تمسّكهم بآرائهم واقتناعهم بها، والتي جاءت خلال تجارب وخبرات عديدة تثبتان ذلك الرأي أو المنظور، ومن ثم تغيّر ذلك يقابله مقاومة شديدة تكون السمة الأساسية ورد الفعل المتوقّع ممن تحاول التأثير فيهم.

وأشارت إبراهيم إلى أنه من العناصر الرئيسية التي يتم من خلالها التأثير في الآخرين وتغيّر من آرائهم واتجاهاتهم، العقلانية والقدرة على الإقناع واستخدام المنطق، هذا إلى جانب امتلاك شخصية قوية ومؤثّرة، موضحة أن أهمية تلك العناصر تختلف من موقف إلى آخر ومن شخص إلى آخر.

21