تأثير الغربة على الكاتب

مفهوم الغربة يبقى متجسدا في اقتلاع المرء من جذوره ورميه في مجتمعات غريبة تختلف عن ثقافته وقيمه ومعاييره وفهمه للحياة.
الأحد 2018/03/04
قضايا المنفى والهجرة تتركان أثرا عميقا على العمل الأدبي لوحة: عمر الأخرس

يعدّ الاغتراب أو النفي خللا في العلاقات الاجتماعية ينعكس سلبا على مفهوم التكامل أو القيم المشتركة وربّما يؤدي إلى العزلة بين الأفراد المغتربين ومجموعة من الناس في مجتمع أو بيئة بديلة، ومع استمرار الفوضى والصراعات الدموية التي أدت إلى تدمير عدد من بلدان المنطقة العربية، لجأ الملايين من البشر إلى الهجرة أو الهروب إلى بلدان بديلة كمناف طوعية ممكنة وعلى مراحل وحقب متعاقبة، بما في ذلك الآلاف من المبدعين، لتتضح لنا إشكالية تأثير الهجرة والنفي على الأدب بشكل عام.
يقول إدوارد سعيد في مقالة له بعنوان “تأملات في المنفى”، “المنفى مكان يشجع على التفكير ولكنه أمر مرعب. كما أن الصدع غير القابل للشفاء الناجم عنه والذي يفصل بين الإنسان ووطنه الأصلي، لا يمكن التغلب على تأثيراته النفسية العميقة.
وقد كان القلق والشعور بالغربة عنصرين أساسيين في عمل العديد من المبدعين المنفيين، وبما أن الحدود المتغيرة والتهديدات للكيانات والدول القومية لا تزال تزعزع استقرار المنطقة العربية، فإن الحافز على الهروب والهجرة واللجوء إلى المنافي ما زال يمثل دافعا مصيريا لأعداد لا تحصى من العرب إلى ترك ديارهم، بعد أن أصبحت مشاكل الهجرة والنفي من الأوطان المفقودة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
 ويعتقد الباحث والناقد الأدبي محسن الموسوي الأستاذ في جامعة كولومبيا، أنّ قضيتي المنفى والهجرة لم تلقيا الكثير من الاهتمام إلّا مؤخرا بعد أن أصبحتا نوعا ما مادّة من مواد العلوم الإنسانية، وتوقع أن تكونا في السنوات العشرين المقبلة أحد المواضيع الرئيسة في الأوساط الأكاديمية وفي علم الاجتماع والعلوم السياسية والتاريخ.
وتترك هذه المتغيرات الهائلة أثرا عميقا على العمل الأدبي نتيجة للأعباء الهائلة التي تتعرض لها حياة البشر، تلك الأعباء التي وصفها الموسوي بالمتغيرات المكثفة التي لا تقل خطورة وتأثيرا عن الحرب العالمية، لأن الحديث هنا يدور في شأن الملايين من البشر الذين يتعرضون للتهجير أو القتل، ولا يمكن للأديب مهما كان انتماؤه أن يقف جانبا ويدعي أنّه ليس لديه ما يفكر فيه.
 وفي جميع الأحوال يبقى مفهوم الغربة متجسدا في اقتلاع المرء من جذوره ورميه في مجتمعات غريبة تختلف عن ثقافته وقيمه ومعاييره وفهمه للحياة، فلا هو يستطيع الاندماج بالكامل معها ليكون إنسانا سويا ولا هو يستطيع العودة إلى جذوره الأصلية.
 وبالتالي فالمغترب إنسان غير سوي ما لم يندمج بالكامل مهما كان فهمه وتمتعه بالحياة، لأن السعادة مفهوم نسبي، وبالنسبة للكاتب لا يمكن للسعادة أن تمنحه ومضة الإبداع، وأغلب الكتاب العظماء هم الذين حافظوا على محليتهم، حتى وإن عاشوا في بلدان غريبة، على الرغم من أن الغربة متفاوتة من بلد إلى آخر، فالمغترب عن بلده في البلدان الأوروبية ليس كالعربي المغترب في بلد عربي آخر، نتيجة لتقارب العادات والتقاليد.
 لكن مع هذا تبقى غربة في المفهوم العام، وعلى سبيل المثال فقد ولد وعاش غابرييل غارسيا ماركيز شبابه في بلده الأم كولومبيا، قبل أن يغادر إلى المكسيك في مرحلة مبكرة من حياته، لكنّه ظل يكتب عن كولومبيا حتى وفاته، على الرغم من أن نمط الحياة والعادات في المكسيك لا يختلف كثيرا عن كولومبيا. وما زال البعض يعتقد بأن المجتمعات الأوروبية المسترخية والملباة حاجاتها تماما، ليست مجتمعات روائية، لعدم وجود الصراعات الطبقية وتداخل الأعراق فيها، تلك الصراعات التي تضطرم في مجتمعات العالم الثالث، بما في ذلك بلداننا العربية.

10
مقالات ذات صلة