تأثير موسكو على الانتخابات الألمانية: حقيقة أم لعبة انتخابية

الثلاثاء 2017/08/29
كل شيء قابل للفهم مع ميركل

موسكو- نفى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرارا أن تكون حكومته لها أي دور في شن هجمات إلكترونية للتأثير على الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة وفرنسا، لكنه لم ينجح في إقناع الألمان بذلك. ومع انطلاق العدّ العكسي للانتخابات الألمانية يعود شبح الحديث عن القرصنة الروسية للانتخابات الأميركية إلى الظهور في ساحة الانتخابات الألمانية وسط قلق من تأثير روسي يدعم المجاميع اليمينية الشعبوية والمعادية لأوروبا.

وأكد بوتين للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لدى زيارتها لروسيا قبل بضعة أشهر أن الحكومة الروسية لن تتدخل في الانتخابات الاتحادية الألمانية المقرر إجراؤها في سبتمبر المقبل. لكنه عاد وقال للصحافيين، بعد ذلك بأسابيع قليلة، إن قراصنة الإنترنت يسعون للقصاص قد يتخذون إجراءات “ضد من يتحدثون بسوء عن روسيا، إذا شعروا بأن هذا مسلك وطني”.

وتقود ميركل، التي تحافظ على الصدارة بفارق كبير في استطلاعات الرأي قبل الانتخابات، جهودا أوروبية للضغط على روسيا كي تتخلى عن شبه جزيرة القرم، وهي إقليم بجنوب أوكرانيا قامت روسيا بضمه منذ ثلاثة أعوام انتقاما لإقالة كييف لرئيسها الموالي لروسيا.

وكانت ميركل أيضا وسيطا مهمّا في المفاوضات بين بوتين والرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو في جهد يهدف إلى إنهاء الصراع المكتوم في المنطقتين الواقعتين بأقصي شرق أوكرانيا على الحدود مع روسيا.

ميركل: لست نادمة على سياسة الباب المفتوح
أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنها ليست نادمة على قرارها عام 2015 فتح حدود بلادها أمام مئات الآلاف من اللاجئين، وأضافت أن من يقاطعونها أثناء حملاتها الانتخابية لن يردعوها.

ونفت ميركل، في حديث مع صحيفة فيلت ام زونتاج، ارتكابها أي أخطاء في ما يتعلق بسياسة الباب المفتوح رغم أن وصول مليون لاجئ على مدى العامين الماضيين أوجد خلافات عميقة داخل حزبها المحافظ وحدّ من شعبيته.

وقالت سابين فيشر، التي ترأس قسم أبحاث أوراسيا في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، إن “الاستخبارات الألمانية والأوساط السياسية في غاية القلق والحذر تجاه الأنشطة الروسية قبل الانتخابات البرلمانية”.

وأضافت فيشر “لكن إذا كانت روسيا قد تدخلت في انتخابات الولايات المتحدة بالطريقة التي يشتبه في أنها سلكتها، فربما يفكر المسؤولون في موسكو مرتين في تكرار الأمر مع ألمانيا، نظرا للتداعيات السلبية للغاية التي نجمت عنها على العلاقات الروسية- الأميركية بما في ذلك مشروع قانون العقوبات الجديدة والتي تعدّ صارمة للغاية من وجهة النظر الروسية”.

ورغم ذلك، يظن بافل شاريكوف، وهو خبير في العلاقات الأميركية- الروسية، أن الحكومة الروسية ربما لا تمتلك القدرة التكنولوجية “ولا الإرادة” لكبح جماح قراصنة الإنترنت الأهليين. وقال شاريكوف، الخبير بمعهد الدراسات الأميركية والكندية في موسكو “يبدو هذا أكثر ملائمة من أن تنفذها الحكومة بنفسها، مما يمثله ذلك من خرق للقانون الدولي”.

وكانت وكالات الاستخبارات الأميركية أعلنت مرارا أن مسؤولين بارزين في روسيا كانوا وراء عملية الاختراق التي استهدفت كمبيوترات الحزب الديمقراطي العام الماضي، مما أثار قلق حكومات الديمقراطيات الغربية الأخرى التي ترى نفسها كأهداف محتملة.

كما اتهم مسؤولون فرنسيون روسيا بتسريب معلومات سرية للتأثير على الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي تم إجراؤها في وقت سابق من العام الجاري، لصالح مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، التي زارت بوتين في إظهار علني لعلاقاتها القوية قبل أسابيع قليلة من الانتخابات. إلا أن لوبان خسرت الانتخابات، خلافا لترامب.

وذكر شاريكوف أنه ليس هناك دليل قاطع على أن الحكومة الروسية مسؤولة عن أي هجوم إلكتروني من أجل التأثير على الانتخابات الأميركية. وأدلى فلاديسلاف بيلوف، الخبير في العلاقات الألمانية- الروسية، بتصريح يحمل ذات المعنى.

وقال بيلوف، الذي يرأس مركز الدراسات الألمانية في الأكاديمية الروسية للعلوم، “ليس لدى روسيا سبب يدعوها إلى التدخل في الانتخابات الألمانية. ستبقى ميركل في منصب المستشارة. روسيا تعلم هذا تماما”.

وأضاف بيلوف، في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية عبر الهاتف، أنه بالنسبة إلى روسيا “كل شيء قابل للفهم مع ميركل”، خلافا للأمر مع منافسها الأبرز مارتن شولتز رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

ويستعد حزب البديل من أجل ألمانيا لدخول البرلمان الاتحادي الألماني لأول مرة في الانتخابات المقرر إجراؤها في 24 سبتمبر المقبل، عقب سلسلة من النجاحات في انتخابات على مستوى كل ولاية على حدة.

إلا أن الخلاف الداخلي حول مدى الولاء الذي يجب أن يمنحه الحزب لقاعدته الشعبية اليمينية المتطرفة أضر به.

وقالت فيشر “لقد أظهر حزب البديل من أجل ألمانيا على مدار الأشهر الأخيرة أنه منقسم داخليا وسيء التنظيم، مما يضعف قبوله لدى الناخبين الألمان”.

وإلى جانب الدراما السياسية التي ظهرت للعيان منذ تولى ترامب منصبه هذا العام، انصرف العديد من الألمان عن فكرة دعم أحزاب هامشية مؤيدة لروسيا. وأضافت فيشر أن الأشخاص الذين رأوا جاذبية أقوال ترامب والشعبوية الأوروبية “أدركوا الآن مدى حالة عدم الاستقرار والخطر التي أحدثها ليس فقط على صعيد الشأن السياسي الأميركي الداخلي وإنما في العالم ككل”.

6