تأجيل معرض الدار البيضاء للكتاب ضرورة مؤلمة

ناشرون وكتاب مغاربة: عدم انعقاد المعرض ضربة موجعة وبالإمكان تجاوزها.
الاثنين 2021/01/18
المعرض فرصة للقاء بين القراء والناشرين والكتاب

توسعت آثار فايروس كورونا الجانبية لتشمل فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، في المملكة المغربية، حيث أعلنت وزارة الثقافة عن تأجيل الدورة السابعة والعشرين للمعرض الذي كان من المقرر أن يقام في فبراير المقبل. “العرب” استطلعت آراء ناشرين ومؤلفين ومثقفين ورواد المعرض حول هذا التأجيل أو الإلغاء كما يراه البعض.

اعتبر الكثير من الكتاب والقراء والناشرين المغاربة أن تأجيل معرض الدار البيضاء الدولي للكتاب هذا العام ضيّع فرصة كبيرة على أحباء الكتب والناشرين على حد سواء، حيث يشكل المعرض محطة مهمة لرواج الكتاب وتقديم الإصدارات الجديدة واللقاء المباشر بين القارئ ودار النشر والمؤلف.

وبالإعلان عن خبر التأجيل أو إلغاء هذه الدورة قبل شهر من تاريخ انعقادها فإنه من المتعارف عليه أن يكون قد فات الأوان، كما يعتقد بسام كردي، المدير العام للمركز الثقافي للكتاب، في تصريح لـ“العرب”، لأن المعرض يعلن عن انعقاده قبل عدة أشهر، حيث قيمة المعرض تكون في عدد الناشرين الأجانب الذين يشاركون فيه وتلزمهم فترة زمنية لبرمجة الحدث والتهيؤ له.

تأجيل ضروري

الكتب عماد الثقافة
الكتب عماد الثقافة

أكدت وزارة الثقافة المغربية، على موقعها الإلكتروني، أنه بالنظر إلى كون معرض الكتاب الذي تنظمه بالدار البيضاء في شهر فبراير من كل سنة يعتبر مزارا سنويا لأعداد غفيرة من المواطنين من مختلف الأعمار طيلة عشرة أيام، داخل فضاء مغلق، وحرصا على السلامة الصحية للزوار والعارضين، قررت تأجيل دورة 2021 لاستحالة تنظيمها في موعدها المعتاد ككل سنة.

ويلفت مراد القادري، رئيس بيت الشعر في المغرب، في تصريح لـ“العرب”، إلى أن “القرار الصادر عن قطاع الثقافة في المغرب لم يفاجئنا”، مضيفا أن “البلد ما زال يُصارع الجائحة التي أصابت مرافق الحياة بنزيفٍ كبير، بما في ذلك الحياة الثقافية والفنية التي توقفت فعالياتها وأنشطتها. وها هُو المعرض الدولي للنشر والكتاب، هو الآخر، تلحقه لعنة كورونا، وتصيبه ضربته القاضية”.

ويوافق الروائي والناقد المغربي نورالدين صدوق، في تصريحاته لـ“العرب”، على الإجراء الاحترازي بالنظر إلى كون الزيارات المتواصلة للمعرض وفي ظرف أسبوع تكون مكثّفة جدا، سواء بالنسبة إلى التلاميذ والطلبة أو بالنسبة إلى القراء الذي يزورون المعرض من داخل الدار البيضاء ومن مدن مغربية أخرى، مشيرا إلى أن “هذا التأجيل وليس الإلغاء قرار حكيم جدا، وهناك أكثر من دولة عربية اختارت أن تنحو المنحى ذاته، وتكفي الإشارة إلى تأجيل موعد معرض مصر الكبير طبعا”.

وتحول مقر معرض الدار البيضاء في هذه الفترة إلى مستشفى ميداني لعلاج مرضى كورونا، وكذلك جميع المعارض تم إلغاؤها في أغلب دول العالم. وفي هذا السياق يقول بسام كردي إن “المعرض بالنسبة إلى أي ناشر هو فرصة للتعريف بالجديد وللقاء المباشر بالجمهور والقرّاء والمثقفين، وبالنسبة إليّ هو أيضا فرصة للقاء أغلب الأصحاب الذين ينشرون في الدار وكذلك التعرّف على أسماء جديدة وشابة من المبدعين”.

ويؤكد طارق سليكي، مدير دار النشر سليكي، لـ“العرب”، أنه “مع غياب المؤسسات المواطِنة التي تستثمر في توزيع الكتب تبقى المعارض هي الإمكانية الوحيدة التي من خلالها يمكن أن تجمع  كل الفاعلين والمهتمين بالكتاب، وبالتالي توزعت المعارض خلال الجائحة بين الإلغاء والتأجيل، وبذلك تم بتر سنة بكاملها من عمر القطاع”.

فيما يظن المترجم، محمد بوزيدان اليدري، أن “تأجيل الدورة السابعة والعشرين للمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء نتيجة طبيعية للحالة الوبائية التي تعيشها البشرية عمومًا والمملكة المغربية على وجه الخصوص، فالمعارض أمكنة ممتازة للتلاقح الثقافي وهي أيضا أماكن لقاء بالنسبة إلى حاملي الفايروسات”.

وعرفت الدورة السابقة مشاركة 703 عارضين، منهم 267 عارضا مباشرا، و436 عارضا غير مباشر، من المغرب والعالم العربي وأفريقيا وأوروبا وأميركا وآسيا، قدموا عرضا وثائقيا متنوعا يغطي مجمل حقول المعرفة ويتجاوز عدد العناوين المعروضة فيه 100 ألف عنوان، على مدى عشرة أيام.

وأشار الكاتب محمد بوزيدان اليدري، في تصريح لـ”العرب”، إلى أن “جائحة كورونا أثرت على خارطة معارض الكتب في العالم (معرض القاهرة، لندن، الرياض) حيث وجدت الدول المنظمة نفسها مضطرة إلى الإلغاء أو التأجيل، فالأمر يتطلب تنقل مؤسسات النشر واستقبال وفود الزائرين الذين تتعدى أعدادهم الآلاف يوميّا في مكان مغلق، وهو ما سينعكس سلبا على الصحة العامة وسيزيد من تفشي الوباء”.

قرار مؤلم

شهادات

القرار بالنسبة إلى مراد القادري مؤلم، ويبرر ذلك قائلا “ذلك لأننا في الحقل الثقافي والأدبي نعتبرُ أنّ لحظة المعرض الدولي للنشر والكتاب هي الإعلانُ الرسمي عن انطلاق الموسم الثقافي، حيث يكون بمقدور الناشرين والمؤسسات الثقافية أن يعرضوا جديد منشوراتهم، علاوة على الفوائد الأخرى التي يتيحُها المعرض في مجال البيع والترويج للكتاب المغربي والعربي والدولي”.

ويضيف “لكن نعود لنقول إنّ الحق في الحياة أولى من الحق في الثقافة، فدون حياة سليمة غير معطوبة لا يمكن الاستمتاع والتلذذ بمباهج الثقافة. لذلك يمكن تفهم هذا القرار الصعب الذي اتخذته الكثير من وزارات الثقافة في البلدان العربية والعالمية، ضمن تدابيرها الاحترازية الرامية إلى الحدّ من التجمعات البشرية الكبرى، وفي طليعتها معارض الكتب التي من المعلوم أنها تستقطب العديد من البشر، ما يؤهلها لتصير بؤرا وبائية”.

فيما يؤكد رئيس الهيئة الاستشارية لدار أكورا للنشر والتوزيع، يوسف كرماح، أن “وقع تأجيل المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء كان مرتقبا، خاصة مع تأجيل مجموعة من المعارض الدولية الأخرى”، معتبرا أن “المعرض هو السوق التجاري الأهم للكتاب، هكذا يراه الناشر والقارئ والكاتب على حد سواء، وبالتأكيد كان لتأجيله الوقع السلبي، فهو فرصة سانحة لتلاقح الثقافات وترويج الكتب ولقاء الكتاب مع الناشرين والقراء”.

ويتمثل العزاء الوحيد في اتخاذ قرار تأجيل المعرض إلى وقت لاحق -قريبا على الأقل- ما أنعش فسحة من الأمل، حسب تصريح كرماح لـ“العرب”، مبرزا أن التحدي الأبرز والأهم خلال هذه الظروف العصيبة هو سلامة المواطن، وإن كان الثمن تفويت موعده مع أكبر تجمع ومحفل أدبي يعيشه المشهد الثقافي المغربي.

ولم تعلن وزارة الثقافة إلى حد الآن عن الموعد الجديد للدورة السابعة والعشرين من المعرض الدولي للكتاب، والذي شكل تأجيله ضربة موجعة لأهل الكتابة والنشر والتوزيع، لكنها تبقى على الأقل أخف من ضربة الإلغاء.

وللتخفيف من وطأة القرار لفت الروائي والناقد المغربي نورالدين صدوق إلى أنه “قبل الإقدام على اتخاذه أقدمت وزارة الثقافة على شراء نسخ من آخر إصدارات الدور المغربية حتى لا تتضرر من الجائحة، علما بأن الكثير من هذه الدور لا تنشر كتابا واحدا إلا بعد نيل حصتها من الدعم: دعم النشر أو دعم شراء المنشور. ومن المؤسف أن العديد من الدور المدعومة ترفع أسعار الكتب المنشورة بشكل رهيب لا يشجع على القراءة، وهو ما يجب على وزارة الثقافة الانتباه إليه”.

ومن وجهة نظر محمد بوزيدان اليدري، فإن “التأجيل ستكون له انعكاسات اقتصادية وثقافية مهمة على قطاع النشر والكتاب بالمغرب، فعدد كبير من الكتاب والروائيين ينتظرون المعرض الدولي لنزول إصداراتهم ومناقشتها ونقدها وتقييمها”، مضيفا أن “الناشرين ينتظرون المعرض لترويج الكتاب وبيعه وعقد الصفقات مع المؤسسات الثقافية والتعليمية وتحدي انخفاض معدلات المطالعة الوطنية”.

وفي إطار دعم مجال النشر والكتاب، أطلقت وزارة الثقافة والشباب والرياضة -قطاع الثقافة- بتاريخ 17 يونيو 2020 برنامج دعم استثنائي يرمي إلى الرقي بالكتاب والقراءة ومواكبة مختلف الفاعلين في هذا الميدان.

شغف المشاركة

المغرب سوق موسع للكتاب العربي والدولي
المغرب سوق موسع للكتاب العربي والدولي

أما بخصوص غياب شغف المشاركة في اللقاءات الثقافية فيظنّ القادري أنه “على الرغم من كورونا استطاعت الحياة الثقافية والفنية أن تخلق لها مِنصّات أخرى بديلة، وذلك للحدّ من الهدر الإبداعي الذي تسببت فيه الجائحة، فشاهدنا كيف أقبل الناس على متابعة اللقاءات الثقافية والفكرية والأمسيات الشعرية من خلال منصات التواصل الاجتماعي ومن خلال بعض التطبيقات مثل زووم وغيرها”.

وبالنسبة إلى سليكي يمثل معرض الدار البيضاء أهم وأقوى حدث ثقافي يهم الكِتاب والكُتّاب والناشرين، دون إغفال الحلقة الأكثر أهمية لربط السلسلة وهي القارئ “بيتنا القصيد وأعز ما يُطلب”.

وبخصوص أهمية الكتاب بالنسبة إلى القارئ المغربي، حسب كرماح، فهو لا يختلف عن أهمية الضروريات الأخرى، مشيرا إلى أن “ما يخفى عن الكثيرين هو وجود من يمكن اعتبارهم ‘مرضى الأدب’ و’مدمني القراءة’. يختلف الأمر عما تعيشه المجتمعات الغربية حيث يعتبر الكتاب جزءا لا يتجزأ من ثقافة اليومي، كما لا تخلو المنازل من مكتبات تزدان بها الأرجاء”، مستدركا أنه “رغم ذلك، فنحن لا نبخس حق القارئ العربي، إذ لا تزال هناك وشيجة مع الكتاب وما زال القارئ العربي مترقبا للجديد، وما حصيلة صناعة الكتاب السنوية إلا تأكيد لهذا الرأي”.

ويؤكد كردي أن الإقبال خلال العام الماضي كان جيّدا واللقاءات التي تمت في الجناح أعطت رونقا حيث ملتقى المثقفين كان يومياً في المركز الثقافي للكتاب.

المنتوج الثقافي

رغم كل الظروف التي يجتازها العالم يبقى الإنتاج الأدبي مستمرا
رغم كل الظروف التي يجتازها العالم يبقى الإنتاج الأدبي مستمرا

شهدت الدورة الماضية تنظيم فقرات تلقي الضوء على التجارب الإبداعية والنقدية التي رأت النور خلال موسم 2018 – 2019، بمشاركة حوالي 350 من المفكرين والأدباء والشعراء وشخصيات من عوالم السياسة والاقتصاد والفن والقانون، عرضوا تجاربهم ومنتجاتهم. كما تم توزيع جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة وتسليم الجائزة الوطنية للقراءة، إضافة إلى تكريم أسماء بارزة في مجال الفكر والأدب من مختلف أنحاء المغرب.

من جانب آخر فإن ما ينبغي لفت النظر إليه، حسب نورالدين صدوق، هو أن المغرب سوق موسع للكتاب العربي والدولي. فحاليا وإلى حد كتابة وتدوين هذه السطور، جديد معظم دور النشر العربية التي حرصت على الحضور متوافر وليس متوفر وبكميات كبرى، إذا ما ألمحت إلى المنافسة التي غدت تسم أغلب الموزعين والمستوردين للكتاب العربي من بيروت ومن مصر على حد السواء. فإلى فترة كان بعض الموزعين يهيمنون على السوق وحاليا لم يعد الأمر كذلك.

وفي الموسم السابق كان الإقبال على عدة أجنحة، منها المركز الثقافي للكتاب، جيّداً وهذا راجع إلى العناوين الجديدة التي صدرت عن الدار بمناسبة المعرض والتي بلغت 26 عنواناً جديداً. وإجمالاً كل منشورات الدار فكرية وأدبية، حيث يعتقد كردي المدير العام للمركز الثقافي للكتاب، أن الحدث الأهم والأكثر حضوراً خلال الدورة السابقة كان تقديم كتاب “عبدالرحمن اليوسفي – دروس للتاريخ” لمؤلفه إدريس الكراوي، حيث حضر المئات من المهتمين، وكان ذلك بحضور الأستاذ اليوسفي شخصياً.

تحول مقر معرض الدار البيضاء في هذه الفترة إلى مستشفى ميداني لعلاج مرضى كورونا، وكذلك جميع المعارض تم إلغاؤها في أغلب دول العالم

و”معرض الدار البيضاء حدث مهم جدّا بالنسبة إلينا داخل المغرب إذ نعقد عليه آمال كثيرة من ناحية البيع والتواصل، وكذلك يعتبر مؤشرا نقيس به عطاءنا كناشرين”، يقول طارق سليكي، مضيفا أنه على الأقل “يمكنني أن أتكلم عن حضورنا بشكل سنوي لسنين عديدة في معرض الدار البيضاء كأكبر دليل على أهميته بالنسبة إلينا، ولا نفكر أبدا أن نخْلف الميعاد معه. ولكن رغم كل الظروف التي يجتازها العالم يبقى الإنتاج مستمرا على أمل أن تعود الأمور إلى نصابها”.

أمام هذه الوضعية المزرية يقترح اليدري أن تدعم الدولة الناشرين والكُتَّاب بتخفيض الضرائب وتخفيف الرسوم الجمركية على الورق، وعلى المؤسسات الثقافية الرسمية
اقتناء الكتب للمكتبات العامة وتبني مشاريع تشجع على القراءة في انتظار استئناف تنظيم المعرض الدولي للكتاب وعودة الحياة الثقافية إلى طبيعتها.

ويختم القادري حديثه لـ“العرب” بالقول إن “الفاعلين الثقافيين أفرادا ومؤسسات وجدوا في الفضاء الافتراضي والتكنولوجيا الرقمية مجالا خصبا  للترويح للثقافة والفن، لكونهما أكثر مرونة من الأنشطة ذات الطبيعة الحضورية، حيث لا يتطلبان تحضيرات لوجيستية معقدة، فيما هما يضمنان حضورا متنوعا يزداد يوما تلو آخر من خلال ارتفاع نسب المشاهدة في الوسائط الرقمية”.

15