تأخر التشكيلات الحكومية.. ظاهرة تهدد المناعة الأمنية للمنطقة العربية

الأربعاء 2017/03/01
حكومة لبنان ولدت بعد مخاض شهر ونصف الشهر

تونس – مرّ تشكيل بعض الحكومات في المنطقة العربية، في الفترة الماضية، بمرحلة مخاض عسيرة. وفيما نجحت بعض البلدان في تجاوز المرحلة، لا تزال أخرى تشهد جدلا يطيل عمر المشاورات من أجل تشكيل الحكومة، في ظاهرة توقفت عندها دراسة صدرت عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات، بأبوظبي، نظرا لتكررها في أكثر من بلد، وحتى في البلد الواحد، خصوصا بعد تطورات الربيع العربي.

تنطلق الدراسة من طرح سؤال: لماذا تتأخر التشكيلات الوزارية في المنطقة العربية، لترصد مجموعة من الأسباب التي تقف وراء هذا التأخير. تتنوع هذه الأسباب وفق البلد وتركيبته المجتمعية والسياسية وتعقيداته الإستراتيجية، على نحو يفرض مجموعة من التأثيرات السلبية تتمثل في عرقلة مسار العملية السياسية واللجوء لسياسات الشارع وإجراء الانتخابات النيابية المبكرة وتفاقم المشكلات الداخلية الضاغطة وتداعيات ذلك على الأوضاع الاقتصادية وفرض عقوبات دولية على شخصيات سياسية.

وتستحضر الدراسة أبرز العوامل التي أدت إلى عرقلة تشكيل الحكومات المتعاقبة في بعض النظم السياسية العربية، خلال السنوات الماضية، وتتلخص في:

* سلطوية الأحزاب السياسية الحاكمة: يعود تأخير إعلان حكومة الوفاق الوطني في السودان إلى رفض “المؤتمر الوطني” وأحزاب حكومة الوحدة الوطنية التنازل عن أنصبتهما وحصصهما، وعدم الارتهان بمخرجات الحوار الوطني، وخاصة فيما يتعلق بموقع رئيس مجلس الوزراء. ولا توجد مؤشرات توحي بالانتهاء من التشكيل الحكومي بحلول نهاية فبراير، رغم أن المواطن السوداني يتطلع إلى تشكيل حكومة “إنقاذ وطني” بفعل تراكم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد.

* ازدواج السلطة السياسية: تشهد بعض الدول العربية، وخاصة بعد الحراك الثوري في عام 2011، مثل ليبيا، سيادة متعددة على أساس مناطقي، حيث توجد حكومتان، وبرلمانان، وتدعم كل منهما قوى مسلحة. وفي هذا السياق، يمكن تفهم تعثر حصول حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج (التي تتخذ من طرابلس مقرًا لها) على ثقة مجلس النواب المعترف به دوليًا (الذي يتخذ من طبرق مقرًا له) خلال عام 2016، بحيث يتم نقل السلطة إلى رئيس الوزراء، بالرغم من الضغوط الدولية وخاصة الأوروبية لاعتماد هذه التشكيلة الحكومية التي أقرها المجلس الرئاسي المدعوم من الأمم المتحدة.

وتتكرر حالة ازدواج السلطة في جنوب السودان التي ساهمت في تعثر مستمر لتشكيل حكومة وحدة وطنية وعدم تمكن أطراف الصراع وهم معسكرا سلفا كير ورياك مشار من تسوية خلافاتهما بموجب اتفاق السلام الموقع في 26 أغسطس 2015، لا سيما بعد اعتراض القوى الموالية للأخير على زيادة عدد المحافظات في جنوب السودان إلى 28 بدلا من 10، بما يجعل لجناح سلفا كير الأفضلية. وكذلك الحال بالنسبة للسلطة ذات الرأسين في الأراضي الفلسطينية والتي أعاقت تشكيل حكومة وحدة وطنية بين حركتي فتح وحماس.

* الخلافات الحزبية البينية: يعود السبب الرئيسي لتأخر تشكيل الحكومة المغربية إلى ضغوط غير معلنة يمارسها أعضاء حزب الأصالة والمعاصرة على أعضاء حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاتحاد الاشتراكي لعدم الدخول مع حزب العدالة والتنمية في أي تحالف لتشكيل الحكومة.

* قلة الخبرة في تشكيل الحكومات الائتلافية: تعد القوى أو الأحزاب السياسية في الدول العربية مستجدة فيما يخص تشكيل حكومات ائتلافية، تستوعب التعددية السياسية والمجتمعية، على نحو يجعلها أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ”أحزاب حائرة” في البحث عن آليات توافقية لتسوية الصراعات الداخلية، وهو ما يبدو جليا في حالة تونس خلال عام 2016، بعدما فقد حزب نداء تونس الأغلبية البرلمانية في أعقاب تقديم مجموعة من النواب استقالاتهم من الكتلة البرلمانية، بشكل يعبر عن أزمة أكبر تتعلق بالصراعات الداخلية الحزبية.

* توزيع الحقائب الوزارية: ربما تطول المدة الزمنية لتشكيل الحكومة المغربية برئاسة بن كيران، لأنها لم تصل بعد إلى مرحلة توزيع الحقائب التي من المتوقع أن تشهد صراعات حادة بشأنها، لا سيما مع غياب الخبرة التفاوضية للأحزاب السياسية. كما كان اقتسام الحقائب الوزارية السبب وراء تأخر تشكيل الحكومة اللبنانية الأولى في عهد الرئيس ميشال عون، حيث كلف سعد الحريري زعيم تيار المستقبل في 3 نوفمبر 2016، بتشكيل حكومة وفاق وطني لبناني. وقد استغرق التوصل إلى تشكيلة حكومية بين التيارات السياسية وزعماء الطوائف، نحو شهر ونصف الشهر وفقا لنظام المحاصصة الذي بدأ مع تطبيق اتفاق الطائف.

* تنامي المحاصصة الطائفية: وهو ما يمثل إحدى المعضلات المزمنة للتشكيلات الحكومية في العراق. إذ تعود أزمة تشكيل الحكومة العراقية التي برزت خلال عام 2016 إلى الانقسامات الحادة بين القوى الشيعية المهيمنة والقوى السنية المهمشة، بل إن عدوى الانقسام امتدت إلى أطراف الائتلاف الحاكم (التحالف الوطني) الذي يجمع الائتلاف الوطني العراقي وائتلاف دولة القانون، والذي شهد بدوره انقساما داخليا بعد رفض مقربين من رئيس الوزراء السابق (نائب رئيس الجمهورية بعد ذلك) نوري المالكي تولي حيدر العبادي رئاسة الحكومة.

* كثرة اعتذارات المرشحين لشغل الحقائب الوزارية: وهو ما كان أحد الأسباب الجوهرية لتأخر إعلان التعديل الوزاري للحكومة المصرية الثانية برئاسة المهندس شريف إسماعيل، لا سيما في ظل الأوضاع الاقتصادية الضاغطة التي تمر بها البلاد. وتعود هذه الاعتذارات من قبل المرشحين إلى أسباب عديدة يرتبط أبرزها بتصاعد حدة الانتقادات المتكررة من جانب وسائل الإعلام لأداء بعض الوزراء، إلى جانب ما تصفه بعض الاتجاهات بقصر المدة الزمنية التي يبقى فيها الوزير في موقعه، حيث يشهد معدل تجديد النخبة الوزارية خلال فترة ما بعد ثورة 25 يناير 2011، دورانا متسارعا مقارنة بالوزارات التي تم تشكيلها في الفترات السابقة.

تعثر جهود تشكيل الحكومات في بعض الدول التي تتسم باستقرار نسبي، وكذلك في الدول التي تعاني من عدم استقرار مزمن، يوحي بأنها أقرب إلى “موجة اكتساحية” تواجهها هذه الدول في مراحل جديدة من تطورها، الأمر الذي يتطلب التوصل إلى حلول عاجلة قبل أن تتفاقم حدتها وتلقي بتأثيراتها على ما يمكن تسميته بـ”المناعة الأمنية” للدول والأوضاع الاقتصادية الضاغطة. فهذا الملف يتطلب اهتماما آنيا من جانب النخب الحاكمة حتى لا تفاجأ بتحولات قد تخرج عن نطاق السيطرة.

7